منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي *صلاح الدين الفاضل : حارس للذاكرة والتاريخ*

0

وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي

 

*صلاح الدين الفاضل : حارس للذاكرة والتاريخ*

شقلاو

 

المشروع الفكري للبرفسور صلاح الدين الفاضل تجاوز حدود البرامج والمسلسلات ليصبح رؤية متكاملة لإعادة تشكيل وعي المجتمع وفهمه لتاريخه وحاضره. أعماله أثبتت أن الإعلام ليس مجرد أداة للتسلية أو الترفيه، بل مطرقة تشكل الوعي الجماعي.

كما قال برتولت بريخت: “المسرح ليس مرآة تعكس الواقع، بل مطرقة تُشكّله.” الفاضل حول الإذاعة والدراما إلى أدوات نقدية وسياسية فاعلة ، منذ أوائل السبعينيات وحتى رحيله، حيث أنتج نحو مئتي مسلسل إذاعي، من الرباعيات القصيرة مثل “السنغالي عثمان سامبين” إلى الأعمال الطويلة مثل “المنضرة” التي امتدت إلى ستة وسبعين حلقة، كل منها عبر عن مشروع يثبت قدرة الصوت على إعادة بناء الذاكرة الجماعية وصياغة الفهم السياسي والثقافي.

عرفته لأول مرة كفاحا في العام 2009 حين كان مناقشًا خارجيًا لرسالتي للماجستير حول أثر التحولات الفكرية والسياسية على المسرح السوداني، وكان موقفه التحليلي تجاه البحث أكثر من كونه تقييمًا أكاديميًا ، لقد ربط بين الثقافة والسياسة والفكر، ووقف عند نقدي للمرحلة التي تحالف فيها نظام مايو مع اليسار ثم مع الإسلاميين، مؤكدًا أن الإعلام مسؤولية قبل أن يكون وظيفة، وأن المسرح و الصوت يمكن أن يكونا أداة لتغيير المجتمع وتحريك الوعي . منذ ذلك اليوم، أصبح حوارنا حول الفكر والسياسة والثقافة مستمرًا، ولم يكن مجرد تبادل آراء، بل تدريبًا على وعي نقدي عميق يربط بين الأصالة السودانية ومتطلبات الحداثة الإعلامية الفاعلة .

مشروعه الإصلاحي كان مزيجًا متوازنًا بين القيم السودانية والتراث، وبين الحداثة وآليات التواصل الاجتماعي ، حيث رأى في الإذاعة وسيلة لنشر القيم والأخلاق، وفي الدراما أداة لإعادة بناء الوعي الجمعي وفي الثقافة وسيلة لتعزيز اللحمة الوطنية المتصدعة بفعل الحروب والانقسامات السياسية. رؤيته لم تكن نظرية، بل كانت ممارسة يومية واضحة في كل عمل أنتجه، حيث جمعت كل حلقة إذاعية أو مسرحية بعدًا تربويًا وفكريًا وسياسيًا في آن واحد.

تأسيسه لإذاعة البرنامج الثاني في أوائل التسعينيات كان فعلًا سياسيًا وثقافيًا بامتياز، أعاد الاعتبار للفكر والحوار والتعددية داخل مؤسسة رسمية تميل إلى الاختزال والمقاربات الأحادية، وحوّل الاستماع إلى تجربة تحليلية إجتماعية تربوية ، بدل أن يكون مجرد تلقّي رسائل مسطحة.

جمع الفاضل بين الخبرة الإدارية والفكر الأكاديمي والشغف الإبداعي ، من إدارة الدراما والإذاعات الولائية وصولًا إلى منصب مدير الإذاعة السودانية، كما ظل قريبًا من الاستوديو، ملتزمًا بفلسفة الإنتاج المباشر التي تربط بين التوجيه الفني والمعرفة الواقعية، اضاف صلاح بعدًا تربويًا لكل محتوى، حيث كل برنامج وكل مسرحية كانت تجربة لتنشئة وعي نقدي وتمكين المستمع من التمييز بين الواقع والدعاية، وبين الحقيقة والضجيج الإعلامي.

في الدراما الإذاعية، ترك الفاضل بصمة لا تُمحى، فمسلسل “الحياة مهنتي” شكّل تجربة فنية متكاملة، باستخدام الموسيقى التصويرية بشكل علمي، وهو أول مسلسل إذاعي في السودان يوظف هذه الأساليب لتحريك الوعي، بينما في “حكاية نادية” وظّف أصوات الآلة الكاتبة ودقات المنبه كأدوات درامية لخلق الترقب النفسي، مما يعكس إدراكه العميق لقدرة الصوت على تشكيل الوعي.

كل أعماله كانت تعليمًا عمليًا لما سماه “فن الرؤية عبر الأذن”، حيث جعل المستمع شريكًا في صناعة المعنى، بدل أن يكون متلقيًا سلبيًا وهذا الملمح شكل اهم اركان تجربته الاعلامية والاكاديمية.

رحيله في الثالث والعشرين من يناير 2026 بالقاهرة يمثل فقدانًا لمشروع وطني، لم يقتصر دوره على الفن والإعلام، بل امتد ليشمل تكوين وعي المجتمع وتعزيز اللحمة الوطنية، وطرح تساؤلات سياسية وثقافية حقيقية: من سيحرس ذاكرة الوطن حين يغيب حراسها؟ من سيحافظ على أخلاق الصوت وقيمه في زمن الفوضى والانقسامات والخذلان .. ؟

الدولة ووزارة الثقافة والإعلام والسياحة تتحمل جزءًا من المسؤولية تجاه مشروعه الإصلاحي، الذي تجاوز البعد الفني ليكون أداة حقيقية لحماية ذاكرة الأمة وتعزيز الحوار والتعددية الثقافية.

تكريم إرثه لا ينبغي أن يقتصر على كلمات أو شعارات ، بل على استثمار حقيقي في برامج إعلامية وفكرية تكمل رؤيته، وتضمن استدامة مشروعه في تنمية وعي السودانيين ورفع حسهم الوطني .

ترك الفاضل وراءه آلاف البرامج والمسلسلات، ومشاريع فكرية وإعلامية، مثل فترة المنوعات الرمضانية المباشرة، التي ما تزال تملأ الفضاء السمعي ثماني ساعات يوميًا، فضلًا عن بحوث وكتب أصبحت مراجع أساسية لدراسة الإعلام السوداني.

كل هذه الأعمال بحسب #وجه_الحقيقة تؤكد أن الفاضل لم يكن مجرد مخرج أو إداري، بل شاهد عصر ومبدع موسوعي، ومسؤول عن تكوين وعي الأمة عبر الصوت والإيقاع والدراما وقاعة الدرس رحيله يذكّرنا بأن الوطن يفقد صوته حين يغادر مبدعوه، وأن حراسة الذاكرة مسؤولية ملزمة للقيادة والمبدعين.. لا تحتمل التأجيل.

نسأل الله أن يتغمد البروفيسور صلاح الدين الفاضل بواسع رحمته، ويجعل مثواه الجنة، ويظل أثره الخالد منارة تهدي الأجيال . تعازينا الحارة لأسرته الكريمة وزملائه وتلاميذه الذين نهلوا من علمه.
دمتم بخير وعافية
الأثنين 26 يناير 2026 م Shglawi55@gmail.com

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.