*نصيحة موجِعة!* ضياء الدين بلال
*نصيحة موجِعة!*
ضياء الدين بلال

-1-
هل أراد رئيس بيلاروسيا ألكسندر لوكاشينكو أن يقول لنا: اتركوا الكسل، ثم تراجع خشية أن تُفسَّر النصيحة إساءة، فاختار مفردة أكثر تهذيبًا… البطء؟!
الرئيس البيلاروسي لم يحتمل أن يهمس بتساؤلاته في آذان المسؤولين مراعاةً للأعراف الدبلوماسية، فأطلقها على الملأ، محمولةً على لسان الدهشة والاستغراب:
تمتلكون كل هذه الثروات الطبيعية، تُصدّرون نحو 80 طنًا من الذهب، ولديكم ما يقارب 100 مليون رأس من الماشية، ومع ذلك تعانون، ويبدو عليكم الفقر والمسغبة؟!
سؤال قديم وموجِع، جاء منذ عقود في صيغة استفهام شعري مفتوح على ناصية الحيرة، بقلم المبدع الوطني الصميم، الراحل المقيم صلاح أحمد إبراهيم:
النيل وخيرات الأرض هنالك
ومع ذلك
ومع ذلك…
-2-
وحين تستمع إلى رجل المال والأعمال السعودي صالح كامل، ينطبق الجرح على الجرح، وتتراكب الآهة فوق الأسى.
في أحد مؤتمرات الاستثمار، قال كامل لمستمعيه:
(سأعيد عليكم ورقة قدمتها في هذا المكان قبل سنوات عن معوّقات الاستثمار في السودان، وذلك لسبب بسيط: أن مشكلات الماضي لا تزال هي نفسها مشكلات الحاضر).
ولم يُضف، احترامًا لمقام الضيافة، أنها ـ على الأرجح ـ ستكون مشكلات الغد أيضًا!
مستثمر خليجي آخر، كان يحدث مجموعة من الصحافيين من عاصمته عن مسؤول سوداني معني بملف استثماري مهم. وقبل أن يبدأ المشروع بـ«بسم الله»، وقبل أن يستلم المستثمر كامل الأوراق، إذا بالمسؤول يضع أمامه قائمة بأسماء من ذوي القربى، طالبًا حجز وظائف لهم!
عندها، قرر المستثمر أن يضع الأوراق في الدرج… وألا يعود إلى الخرطوم.
-4-
لا تزال مقولة ذلك السفير العربي، الذي عمل لسنوات طويلة في الخرطوم، ترن في أذني كلما بدت لي أراضي السودان من نافذة الطائرة، ممتدةً، شاسعةً، مستويةً، في كامل زينتها وخصوبتها، تنتظر وعدًا لا يأتي، وتمنّيًا لا يتحقق، وفحلًا لا يعاف!
وصحف الخرطوم تكتب:
84% من أساتذة الجامعات السودانية في طريقهم إلى منافذ الهجرة،
مشروع الجزيرة في غرفة الإنعاش،
والدولار يواصل صعوده على ظهر الجنيه!
وخالد حسن بشير، جليسنا بداخلية شمبات، ينظم أبياتًا صافعة:
(فلنرحل الآن
عن بلادٍ لا توفّر للمساء قصيدةً أبدًا
ولا ترعى سنابل!)
أما السفير، فقد أرسل ملاحظته الساخرة في كبسولة مُحلّاة بالنكات، اتقاءً للحرج الدبلوماسي، قالها شبه همس وبحضور بعض الزملاء:
(الشعب السوداني شعب أمين جدًا، والدليل أنه سيُعيد يوم القيامة تسليم الأرض الخصبة إلى الله سبحانه وتعالى… بكرًا، تامةً وسالمة!)
-5-
يُعرض المشروع على المستثمر الأجنبي في السودان، والأرض ممدودة في استوائها الانسيابي السلس، بلا معوقات أو موانع طبيعية.
يرفع الرجل حاجبيه فوق مستوى الدهشة، ويُرخي فكه الأسفل إلى أدنى درجات الذهول، قبل أن يقول:
(ممتاز… لقد أنجزتم أكثر من نصف المهمة بتسوية الأرض على هذا النحو البديع!)
الحرج يُطبق على أفواه المرافقين، ولا أحد يمتلك شجاعة الاعتراف الصريح:
(الواطة دي أصلها كده… ما في زول دخل فيها إيدو من نزول أبونا آدم للأرض، إلى صعود نيل أرمسترونغ للقمر!)
-6-
وصديقنا عدنان الفلسطيني، يجلس معنا عند مقرن النيلين، ينظر طويلًا ثم يقول:
(والله يا ضياء، إنتو محظوظين… كل أنهار الدنيا تجري من الشمال إلى الجنوب، إلا نهر النيل يفعل العكس. السبب ـ يا عزيزي ـ أن الله سبحانه وتعالى غيّر لكم قانون الأنهار، حتى لا يحدث لكم ما كان سيحدث لو أن النيل مرّ على الفلاحين المصريين قبل أن يصل إليكم… كان وصلكم بالقطّارة!)
يملأ عدنان فمه بالضحك… وتمتلئ عيوننا بالغيظ.
-7-
لا يكفي أن ترفع أمريكا عقوباتها الظالمة عن كاهلنا المُنهك، ولا أن يُقبِل المستثمرون علينا من كل حدب وصوب.
الأهم من كل ذلك أن نمتلك بيئة إدارية، واجتماعية، وقانونية، صالحة للاستثمار.
مجتمع تسوده ثقافة الإنتاج، ويستقبل الآخر برحابة وود، قادر على صناعة شراكات ذكية:
الأرض مقابل الدعم والتمويل.
نُظم إدارية وقانونية تجمع بين المرونة والانضباط، تُشجّع وتُحفّز، وتحمي الأرض من عصيّ الأهالي، ومن أصابع الفاسدين.
— أخيرًا —
حين يتحقق ذلك، لن يجد رئيس بيلاروسيا ألكسندر وغيره أنفسهم مضطرين لتقديم النصائح الموجِعة،
ولن يجد الدبلوماسيون مادةً للسخرية،
ولن يدخل المستثمرون إلينا… عبر بوابة الخروج.
* نشر 24 يناير 2017.
