*البُعد الآخر* *د مصعب بريــر* *فوضى الاستقطاعات.. هل يشعل بنك الخرطوم فتيل انهيار الثقة ؟*
*البُعد الآخر*
*د مصعب بريــر*
*فوضى الاستقطاعات.. هل يشعل بنك الخرطوم فتيل انهيار الثقة ؟*

أخيراً، تنفس عملاء بنك الخرطوم الصعداء بعد توجيهات البنك المركزي الحاسمة التي قطعت الطريق أمام الاستقطاعات المليارية التي طالت حساباتهم فجأة، ليعلن البنك “التراجع” والالتزام بإعادة ما أُخذ بغير حق. ورغم أن البنك حاول تجميل الصورة في بيانه الأخير بالحديث عن “فتوى شرعية” وقديم القوانين، إلا أن هذه المبررات بدت للشارع السوداني أشبه بمحاولة “ذر الرماد في العيون”. فالمواطن البسيط يدرك بفطرته أن التذرع بنصوص دينية لتبرير مد اليد إلى جيوب المودعين دون إخطار مسبق أو تفويض واضح هو منطق “فطير” لا يصمد أمام أبجديات العمل المصرفي القائم على الأمانة وحفظ الحقوق، ولو كانت الحجة قوية لما تدخل “المركزي” وألغى القرار بجرة قلم، محملاً البنك تكلفة هذا الصندوق من حر ماله، وهو ما يثبت أن محاولة تحميل المواطن فاتورة المخاطر كانت قفزة في الظلام.
إن خطورة ما حدث تتجاوز مسألة الخصم والاسترجاع؛ فهي تفتح الباب واسعاً للحديث عن فوضى “الرسوم الخفية” التي تفرضها بعض المصارف وكأنها سلطة مطلقة، مستغلة غفلة الرقيب أو تعقيدات اللوائح. عندما يستيقظ المودع ليجد مدخراته قد نقصت بقرار إداري منفرد، يسقط الركن الأساسي في العلاقة بين البنك والعميل وهو “الثقة”. هذه الفوضى تتطلب اليوم وقفة جادة وتشريعاً “صارماً” لا يقبل التأويل، يغل يد البنوك عن أموال الناس إلا بأمر قضائي أو موافقة كتابية صريحة. لا يكفي أن يوجه البنك المركزي بإعادة الأموال فحسب، بل يجب أن تقترن التوجيهات بعقوبات رادعة ومغلظة لأي مؤسسة مالية تظن أن أموال المودعين “مال سايب” يمكن التصرف فيه لتغطية أي عجز أو استحقاق إداري، فغياب العقاب هو ما يغري بتكرار الخطأ.
وعلى سيرة “الأرقام الفلكية”، فإن فتح هذا الملف يقودنا بالضرورة لفتح الملف الأثقل والأكثر وجعاً للاقتصاد السوداني، وهو نسب الأرباح الخرافية التي تفرضها البنوك على التمويل المصرفي. نحن نشهد حالة فريدة عالمياً، حيث تتحول البنوك من مؤسسات لتمويل التنمية إلى ما يشبه “الشريك الجشع” الذي يلتهم أرباح المشروع قبل أن يبدأ. كيف لمزارع أو صاحب مصنع صغير أن ينجح ونسب المرابحات والمقاولات تكسر الظهر وتتجاوز المعقول؟ إن هذه النسب العالية ليست مجرد أرقام، بل هي “فرملة” حقيقية لعجلة الإنتاج، وتجعل التمويل عبئاً بدلاً من أن يكون طوق نجاة، مما يستدعي مراجعة شاملة وعاجلة تضع حداً لهذا الجشع وتقارننا ببقية دول العالم التي تدعم مواطنيها لا أن تعسر عليهم.
إن الدرس المستفاد من “هبة” عملاء بنك الخرطوم وتدخل البنك المركزي، هو أن الصوت العالي والحق الواضح لا يمكن تجاهلهما، وأن عهد الصمت على التجاوزات قد ولى. لقد آن الأوان لإعادة هيكلة العلاقة بين البنك والمواطن لتكون علاقة شراكة وخدمة حقيقية، لا علاقة إذعان وجباية، بضمانات قانونية تجعل حرمة المال الخاص خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه تحت أي مسمى أو فتوى.
بعد اخير :
خلاصة القول، تبقى الكرة الآن في ملعب بنك السودان المركزي لترجمة هذه “الصحوة الرقابية” إلى سياسات مستدامة تحمي المودع من مفاجآت الصباح غير السارة، وتضمن له نظاماً مصرفياً عادلاً وشفافاً.
وأخيرًا، ان استعادة الثقة في الجهاز المصرفي لا تتم عبر البيانات التوضيحية المنمقة، بل عبر إجراءات عملية يلمسها المواطن في حفظ ماله وتسهيل معاشه، ليكون البنك عوناً له في نوائب الدهر لا عبئاً إضافياً عليه.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾
ونواصل… إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
السبت | 7 فبراير 2026م
musapbrear@gmail.com
