*البُعد الآخر* *د. مصعب بريــر* *وداعاً للتخمين: ثورة الأرقام تقود مسيرة التعافي الصحي بالسودان ..!*
*البُعد الآخر*
*د. مصعب بريــر*
*وداعاً للتخمين: ثورة الأرقام تقود مسيرة التعافي الصحي بالسودان ..!*

من قلب مدينة بورتسودان، أطلقت وزارة الصحة الاتحادية صافرة البداية لمرحلة فاصلة في تاريخ الخدمات الطبية بالسودان، معلنة وداعاً حاسماً لزمن “العمل بالبركة” والاعتماد على الذاكرة الشفهية، واستبداله بمنظومة رقمية متكاملة تضع المعلومات الصحية الدقيقة في صدارة المشهد. هذا التوجه الجديد الذي تضمنته مصفوفة استراتيجية العام 2026، لا يهدف مجرد تحديث أجهزة الحاسوب أو البرمجيات، بل هو تحول جذري في العقلية الإدارية يرمي إلى جعل “الرقم الصحيح” هو القائد الفعلي لأي قرار يتم اتخاذه، سواء كان توزيعاً للأدوية أو توجيهاً للطواقم الطبية.
إن استصحاب التطور التكنولوجي الهائل اليوم لم يعد ترفاً، بل ضرورة قصوى تفرضها تعقيدات الوضع الصحي في البلاد. وهنا تبرز القيمة الحقيقية لأدوات الذكاء الاصطناعي التي تتيح قدرات تحليلية غير مسبوقة؛ فهي لا تكتفي بجمع الأرقام، بل تقرأ ما خلفها، وتتنبأ بأماكن الخطر قبل استفحاله. هذا الرصد الدقيق هو حجر الزاوية الذي سيمكّن الوزارة من التدخل السريع والفعال، بدلاً من الانتظار حتى تقع الكارثة. والأهم من ذلك، هو ضرورة أن تكون هذه التقارير متاحة “في الوقت الحقيقي” ولحظة بلحظة أمام أعين المسؤولين، خاصة فيما يتعلق بإدارات صحة البيئة ومكافحة الأوبئة، حيث الدقيقة الواحدة قد تعني فرقاً بين احتواء مرض أو انتشاره.
لقد كشفت الحرب وتحدياتها عيوب الاعتماد على النقل الشفهي للأخبار أو البيانات غير الموثقة التي تضيع في زحمة “الونسة” ومواقع التواصل الاجتماعي. لذا، فإن الانتقال إلى الأنظمة الرقمية مثل (DHIS2) وتفعيل نظم المعلومات الجغرافية ليس مجرد إجراء فني، بل هو طوق نجاة يضمن أن كل قرار يُتخذ مبني على واقع حقيقي نراه بالأرقام والخرائط، وليس على التخمين.
إن هذا الالتزام الحكومي الذي ظهر في مخرجات اجتماع بورتسودان، والذي يربط بين تأهيل الكوادر البشرية والتقنية الحديثة، يمثل خارطة طريق واضحة للتعافي. فالاستثمار في “المعلومة” هو استثمار في حياة المواطن، وضمان لأن تذهب الموارد الشحيحة إلى مستحقيها بدقة متناهية.
بعد اخير :
خلاصة القول، إن نجاح هذه “الثورة الرقمية” يظل مرهوناً بالتنفيذ الجاد وتكاتف الشركاء لإنزال المصفوفة إلى أرض الواقع، لتصبح البيانات الصحية هي البوصلة الحقيقية التي تقود السفينة.
وأخيرًا، السودان اليوم يخطو بثبات نحو مستقبل لا مكان فيه للعشوائية، مؤسساً لنظام صحي قوي وقادر على الصمود بفضل قوة المعلومة وسرعة التقنية.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾
ونواصل… إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الجمعة | 13 فبراير 2026م
musapbrear@gmail.com
