*حين تتحول قوافل الخبز إلى أهداف حرب* *د/اميرة كمال مصطفى*
*حين تتحول قوافل الخبز إلى أهداف حرب*
*د/اميرة كمال مصطفى* ️

في الحروب تسقط المدن.
في الفوضى تنهار المؤسسات.
لكن حين تُستهدف قوافل الإغاثة… يسقط شيء أعمق من ذلك بكثير يسقط الحد الفاصل بين الصراع والبربرية.
الحدث الذى تم في منطقة الله كريم بشمال كردفان موقف كاشف وواضح يفضح كيف يمكن للسلاح حين ينفلت من أي رادع أخلاقي أن يتحول إلى أداة لمحاصرة الجوع نفسه. قوافل برنامج الغذاء العالمي ما كانت تحمل ذخيرة كانت تحمل حياة مؤجلة لأطفال أنهكهم النزوح وأمهات أنهكهن الانتظار وشيوخ أنهكهم الصمت والقهر. استهدافها جريمة ضد فكرة الإنسانية ذاتها. وجريمه دوليه منظمة.
الحرب مهما كانت قاسية ظلت عبر التاريخ محكومة بخيط رفيع من القواعد أن يُترك المدنيون خارج دائرة الانتقام، وأن تبقى الإغاثة منطقة محرّمة على البنادق. هذا هو جوهر القانون الدولي الإنساني الذي وُلد من رماد حروب عالمية أرادت البشرية ألا تتكرر. حين تُنتهك هذه القواعد فإن الرسالة ليست موجهة للسودان وحده بل للعالم: أن الجوع يمكن أن يصبح سلاحًا، وأن المساعدة يمكن أن تتحول إلى هدف مشروع في منطق المليشيات وقد حدث فى حرب المليشيا على السودان والسودانيين العجب من انتهاكات فى كل شئ . حقا فى كل شئ وكلها تعكس وحشية المليشيا.
والاعتداءات المتكررة على القوافل الإنسانية تكشف نمطًا لا يمكن تفسيره كأخطاء فردية. إنها تعكس عقلية ترى في تعطيل المساعدات وسيلة ضغط وفي معاناة المدنيين ورقة تفاوض. وهذه أخطر أشكال الحرب حين يُختطف الإنسان ليصبح أداة في صراع لا يملك فيه صوتًا ولا خيارًا. ملايين السودانيين اليوم لا يقفون على خطوط الجبهات لكنهم يدفعون ثمنها كل يوم في موائد خاوية ومستشفيات بلا دواء وقرى تنتظر وصول شاحنة قد لا تصل أبدًا.
الأخطر أن استمرار هذه الانتهاكات لا يحدث في فراغ. كل رصاصة تحتاج إلى مورد وكل مليشيا تحتاج إلى شريان يغذي قدرتها على البقاء. التقارير التي تتحدث عن دعم خارجي هى جزء من معادلة تطيل عمر المأساة. وعندما يُموَّل السلاح، يُموَّل معه الجوع. ولما تُمدّ المليشيات بأسباب القوة، يُسحب من المدنيين آخر أسباب النجاة.
حماية العمل الإنساني التزام قانوني وأخلاقي على المجتمع الدولي. إن أي تساهل مع استهداف قوافل الإغاثة هو سابقة خطيرة تفتح الباب أمام تطبيع تجويع المدنيين كأداة حرب. والتحقيق الدولي المستقل لم يعد خيارًا دبلوماسيًا وانما ضرورة لحماية ما تبقى من هيبة القانون الدولي نفسه.
السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى مساعدات؛ يحتاج إلى ضمان أن هذه المساعدات ستصل. يحتاج إلى مظلة حماية حقيقية للعاملين في المجال الإنساني وإلى إرادة دولية تضع خطوطًا حمراء واضحة: أن الخبز لم يكن يوما هدفًا عسكريًا، وأن الشاحنة المحمّلة بالغذاء ليست عدوًا، وأن المدنيين ليسوا رهائن في معركة السلطة.
قياس شرف الأمم وجماعات السلاح ليس بما ترفعه من شعارات أننا بكيفية تعاملها مع الأضعف. واستهداف قوافل الإغاثة هو اعتراف صريح بالفشل الأخلاقي قبل أن يكون جريمة قانونية.و إعلان أن الحرب ضد الحياة نفسها.
والشعب السوداني وهو يمر بهذه المرحلة الحرجة لا يطلب المستحيل. يطلب فقط أن يُسمح له بالبقاء. وهذا قراره عند مليك مقتدر .
حفظكم الله ورعاكم
