*ياسر محمد محمود البشر يكتب :* *الشــعب السودانــى* *ظـلال عملاقـة لأجسـاد عاديـة*
*ياسر محمد محمود البشر يكتب :*
*الشــعب السودانــى*
*ظـلال عملاقـة لأجسـاد عاديـة*

*فى رمضان ينخفض صوت الباطل ويرتفع صوت الحق وفى رمضان نتحدث مع أنفسنا بأصوات مسموعة ونواجهها بالحقائق المجردة ويجب علينا كشعب سودانى أن نواجه أنفسنا بحقيقة تضخيم السودانيين لأنفسهم ولذواتهم وإدعاء الشجاعة والكرم ودمائهم تسيل لزجة فيما بينهم منذ قبل الإستقلال وحتى يومنا هذا يدعون المثالية ويقتلون أنفسهم بأيديهم ملايين السودانيين قتلوا بأيدى سودانيين لا يقبل السودانى بالسودانى الآخر حتى اصبح المواطن السودانى مواطن فقير فى وطن غنى بكل الموارد يقفون فى محطة عدم القدرة على إستقلال موارد السودان كما عجزوا فى إدارة الموارد التى إستطاعوا إستغلالها وإن لم يواجه السودانيين أنفسهم بشجاعة الى متى يستمر الشعب السودانى يدور فى حلقة تؤدى فى النهاية الى طريق واحد هو ما يجرى فى السودان اليوم من حرب ونزوح ولجؤ فى حرب سياسية بأدوات عسكرية*.
*ومن بين طيات الثوب السودانى المهيب وفوق عمائمنا التى تلامس السحاب كبرياءً تختبئ معضلة صامتة إنها الأنا السودانية المتضخمة التى تتأرجح بين الأنفة المشروعة والخُيلاء المُقِعدة نحن شعبٌ مسكونٌ بـالاستثنائية نقتات على أمجادٍ عبرت ونشيد صروحاً من الأوهام فوق ركام واقعٍ يتطلب منا المواجهة لا الهروب إلى الذات ويجب ألا ننظر فى مرآة الذات المشروخة وضرورة معرفة الفارق بين الاعتزاز والوهم والمتأمل فى سيكولوجيا الشخصية السودانية يجد نفسه أمام أحجية فالسودانى الذى يُضرب به المثل فى التواضع الجمّ والزهد في المادة هو نفسه الذى يستشيط غضباً إن وُضع تحت مجهر النقد*
*لقد تحولت عزة النفس من محرك للنهوض إلى درعٍ يمنعنا من رؤية العيوب نحن لا نرى أنفسنا كبشر يخطئون ويصيبون بل كـخيرة أمة وكأن الجينات السودانية معصومة من التردى الذى أصاب العالم من حولنا ونقبع فى فخ التاريخ وعقدة أول من فعل لقد أغرقنا أنفسنا في بحر الأوائل أول من أسس جامعةأول من نال استقلالاً أول من نظم بطولة كرة قدم افريقية وفاز بها وأول من علم الجيران أصول الإدارة ولكن أليس من الفجيعة أن يسكن الإنسان فى بيت أجداده المهدم مكتفياً بالحديث عن فخامة طوبه القديم إن تضخيم الذات التاريخى جعلنا نعيش فى حالة انفصال شعورى عن الحاضر فبينما يتسابق العالم نحو الذكاء الاصطناعي وغزو الفضاء ما زلنا نحن نبحث عن صكوك الغفران في حضارة كوش ومروى وتتحكم فى مصيرنا أسر بعينها تعيش على وهم التاريخ وأكذوبة الماضى دون أن نسأل أنفسنا ماذا قدمنا لليوم وهل نكتفى بسياسة كلنا ملوك*
*حين تقتل الأنا الجماعة يتجلى هذا التضخم في أبهى وأقبح صوره فى المشهد السياسى والاجتماعى فالسودانى بطبعه يرى في نفسه مشروع زعيم وهذه الأنا المتورمة جعلت من التنازل الوطني رجساً ومن الحلول الوسطى خيانة كل حزب يرى في نفسه المخلص الوحيد وكل فرد يظن أن رأيه هو القول الفصل إنها نرجسية النخب التي انتقلت بالعدوى إلى القواعد فأصبحنا جزرًا معزولة يرفض كل منا الآخر لأن الاعتراف بالآخر يعني ضمنياً أننا لسنا المركز المطلق وبدلا أن نواجه أنفسنا بالحقيقة نهرب إلى الأمام وهذا الهروب هوأخطر ما فى تضخيم الذات هو العمى الوظيفى أى العجز عن رؤية الحفر فى الطريق ولا سيما عندما نوهم أنفسنا بأننا الأذكى والأشجع والأكرم ونلغى تلقائياً حاجتنا للتطور ونتحول إلى شعب يبرر فشله بـالمؤامرة أو سوء الحظ لأن اعترافنا بالفشل يخدش الصورة الأسطورية التي رسمناها للزول في مخيلتنا*
*إننا اليوم أمام لحظة تاريخية فارقة تتطلب منا جراحة تجميلية من دون بنج للروح السودانية نحتاج أن نستبدل تضخيم الذات بـتقدير الذات فالتقدير يدفعك للعمل لتكون الأفضل أما التضخيم فيجعلك تتوهم أنك الأفضل وأنت تقبع فى (المؤخرة) فقد آن الأوان أن نترجل عن خيول غرورنا وأن ندرك أن العظمة ليست إرثاً جينيا بل هى نتاج كدح ومؤسسات ونقد مرير للذات لن ننهض ما لم نكسر تلك المرآة التى لا ترينا إلا محاسننا وتضحم ظلالنا أمام أجسادنا العادية ونبدأ في ترميم ما انكسر بداخلنا بتواضع العلماء وصبر البنائين*
*لم تكن وسائل التواصل الاجتماعى للسودانى مجرد نوافذ للعبور نحو الآخر بل تحولت إلى مرايا مقعرة ضاعفت من حجم الأنا المتورمة أصلاً في التريند السودانى يمارس العقل الجمعى طقوساً من التمجيد الذاتى تقترب من التقديس فكل مبادرة فردية هى إعجاز وكل رأى عابر هو فتحٌ مبين لقد خلقت الخوارزميات غرف صدى لا نسمع فيها إلا صدى أصواتنا المعجبة بذواتنا مما عزز القناعة بأننا مركز الكون الأخلاقى والمعرفى هذا الضجيج الرقمي غيّب ثقافة النقد واستبدلها بثقافة الحشد فبمجرد أن يوجه غريبٌ انتقاداً ولو كان موضوعياً للسلوك السودانى تشتعل منصات إكس وفيسبوك والواتساب بجيوش إلكترونية لا تدافع عن الحق بل تدافع عن الصورة الذهنية المقدسة للزول إننا نستهلك ساعات فى صياغة ملاحم الفخر بـالسودانوية بينما يتسرب الواقع من بين أصابعنا ليتحول الافتراضى إلى مخدرٍ يعزلنا عن استحقاقات الإصلاح الحقيقى في الواقع لقد منحتنا الشاشات القدرة على صياغة عظمة زائفة بكبسة زر فى وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى مواجهة انكساراتنا بشجاعة الصمت والعمل*
yassir. mahmoud71@gmail.com
