منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

بروفسور كمال محمد جاه الله الخضر يكتب :* *نيجيريا: إيران إفريقيا القادمة (مختصر قصة التشيع في البلد الإفريقي الكبير)* –  *الجزء الأول*

0

بروفسور كمال محمد جاه الله الخضر يكتب :*

 

*نيجيريا: إيران إفريقيا القادمة (مختصر قصة التشيع في البلد الإفريقي الكبير)* –  *الجزء الأول*

 

*الأستاذ الدكتور/ كمال محمد جاه الله الخضر*
*أكاديمي سوداني*

ظاهرة التشيع في إفريقيا- ظاهرة محيّرة، تستحق البحث والتقصي والدراسة المتعمقة. فالتشيع كظاهرة لم يكن له وجود واضح قبل عقود، على الأكثر عقود تعد على أصابع اليد الواحدة. صحيح أن بعض مناطق إفريقيا استقدمت بعض الشيعة قبل عشرات السنين، إلا إن هؤلاء جاءوا لأغراض تجارية، ولم يدر في خلدتهم دعوة الناس لمذهبهم. لذلك يبدو أن التشيع في نسخته الحديثة وراءه ما يجعله يصبح ظاهرة تستشرى في الأقاليم الإفريقية قاطبة بأقطارها المختلفة.
وتقف دولة نيجيريا باعتبارها واحدة من الأقطار الإفريقي، التي وجد فيها التشيع أرضا واعدة وتربة خصبة، فنما وترعرع وكبر حتى صار ملء البصر والسمع. وأغلب الظن أن هذا الوضع لم يتشكل مصادفة، وإنما خلفه إستراتيجيات أعدت بإحكام، وظلت تنفذ ليل نهار في هذا البلد، الذي يشهد تاريخه بأنه عرف إسلاما سنيا، يشار إلى أعلامه ومنجزاته العلمية بالبنان.
لذاك ولغيره، يتحتم دراسة ظاهرة التشيع في نيجيريا، انطلاقا من جملة من الأسباب، لعل أهمها: أن هذا البلد شهدت أراضيه، والأراضي التي تجاوره قيام دول أو ممالك إسلامية سنية، وأنه البلد الإفريقي النفطيّ الأكثر سكانا، وأنه بلد مفتاحي في غرب إفريقيا.
تهدف هذه الدراسة إلى تسليط الضوء حول ظاهرة التشيع في دولة نيجيريا، وذلك بتتبع ظهوره وانتشاره ووسائله وما حققه ورائده ومستقبله. ولكي تحقق هذه الدراسة ما تهدف إليه- فإننا سنتناول في فيها المحاور التالية في شيء من الإيجاز:
أولا: الخريطة الدينية لدولة نيجيريا.
ثانيا: إيران في إفريقيا: الطموحات والإستراتيجيات.
ثالثا: إيران وأهداف نشر المذهب الشيعي في إفريقيا.
رابعا: من تجارب التشيع في الأقطار الإفريقية.
خامسا: التشيع في نيجيريا(النشأة والتطور والمنجز).
سادسا: الشيخ إبراهيم الزكزكي رائد التشيع في نيجيريا.
سابعا: مستقبل التشيع في نيجيريا.
الخريطة الدينية لدولة نيجيريا:
الناظر إلى أيٍّ من أطالس القارة الإفريقية- ستقع عيناه على أن دولة نيجيريا تحتل موقعا في أقصى غرب إفريقيا. وتطلّ على المحيط الأطلسي شمال خط الاستواء. وتحدها غربا دولة بنين، أما شمالا فتحدّها دولة النيجر. وأما في الشرق فتحدها دولتا تشاد والنيجر. علاوة على ذلك تطل جنوبا على خليج غينيا.
تبلغ المساحة الإجمالية لدولة نيجيريا 923.768 كيلو متر مربع. ووفقا للإحصاء السكانيّ، الذي أجري في البلاد في عام 2010- فإن عدد السكان يتراوح ما بين مائة وستين مليون، ومائة وسبعين مليون نسمة. وبعد ذلك بخمسة أعوام، أي في العام 2015 قدر عدد السكان بما يقارب المائتي مليون نسمة. ومن المتوقع أن يكون عدد السكان تجاوز ذلك بعد مضي نحو 13 عاما.
يقدر معدل نمو السكان في نيجيريا بـ 2.2%، وهي أكبر دول القارة الإفريقية من حيث عدد السكان. ويشكل سكانها أكثر من نصف منطقة غرب إفريقيا. وسكانها ينتمون إلى أكثر من 250 مجموعة عرقية، أهمها: الهوسا والفولاني واليوروبا والإيبو والإيجاو والكانوري. ضمنها مجموعات كبيرة، قد تمت الإشارة إلى بعضها قبيل قليل، ومنها مجموعات عرقية قليلة العدد.
تتميز التركيبة السكانية للمجتمع النيجيري بالتعقيد، نتيجة للتعدد العرقيّ والإثنيّ والقبليّ. حيث تشكل القبيلة الوحدة الأساسية في تركيبته على العموم. ويصاحب ذلك التعدد اللغوي، حيث يوجد نحو مائتين وخمسين مجموعة قبلية، كما أشرنا. ومن أبرز القبائل(مقرونة بنسبتها من مجمل سكان القطر): 1/ قبيلة الهوسا/ فولا، وتبلغ نسبتهما 31% من الشعب. 2/ قبيلة اليوروبا، وتبلغ نسبتها 21%، ويتحدثون لـغة اليوروبا. 3/ قبيلة الإيبو، وتبلغ نسبتها 18%، ويتحـدثون لغة الإيبو.
إن عدد اللغات التي تتحدث في نيجيريا لا يقل بأية حال من الأحوال عن 250 لغة، لكل واحدة منها قاعدة من المتحدثين تقل وتكثر. غير أن اللغات الثلاث: الهوسا واليوروبا والإيبو، تمثل اللغات الأكثر تحدثا داخل القطر.
ومن حيث الدين- فإن الإسلام والنصرانية يشكلان ثقلا كبيرا في نيجيريا، باعتبارهما الديانتين السماويتين في البلاد. وتوجد إلى جانب الإسلام والنصرانية ديانات وثنية تقليدية، مثل: البوذية والهندوسية وعبدة النار، الموجودين هنا وهناك. وما يزال في بعض المناطق الشمالية والجنوبية وجود نفوذ لقادة الأديان التقليدية، الذين يتقلدون مناصب في الدولة.
وقبل الولوج إلى تقديرات تخص الديانتين السماويتين الأكثر حضورا في نيجيريا، لا بد من الإشارة إلى أن ملامح الخريطة الدينية لنيجيريا- تتشكّل فيما يخص الإسلام من مجموعة من الطوائف الدينية، المتمثلة في الطرق الصوفية: الطريقة القادرية، والطريقة التجانية، على وجه التحديد. والجماعات السلفية والسلفية الجهادية: جماعة إزالة البدعة وإقامة السنة، والجماعة السلفية، وجماعة دار الهجرة، وجماعة أهل السنة للدعوة والقتال(بوكو حرام) على وجه التحديد أيضا. إضافة إلى حركة الشيعة(جماعة الشيعة) موضوع دراستنا هذي.
أما فيما يخص النصرانية، فتتكون ملامح الخريطة من الطوائف النصرانية، المتمثلة في: الطائفة البروتستانتية، الموالية للولايات المتحدة. والطائفة الكاثوليكية الرومانية، التابعة لدولة بابا الفاتيكان. والطائفة الأنجليكانية، التي تتبع للمجمع الكنسي البريطاني بالمملكة المتحدة. إضافة إلى تيارات وطوائف مسيحية صغيرة أخرى.
وتبدو في تلك الخريطة أيضا ديانات تقليدية متناقصة، تشكل جيوبا متفرقة في البلاد، تمت الإشارة إلى بعضها قبيل قليل.
فيما يخص الأديان ومعتنقيها- فإن التقديرات الحكومية الرسمية تفيد بأن 50% من سكان نيجيريا مسلمون، و40% منهم نصارى، و10% وثنيون. ولكن المصادر الإسلامية تشكك في هذه النسبة، وتقول بأن نسبة المسلمين تتراوح ما بين 70%- 75%.
الحق أن لبعض المصادر تقديرات أخرى للمسلمين والنصارى، حيث تشير إلى أن نسبة المسلمين تقدر بـ 55% من مجموع سكان نيجيريا. ويوجدون بكثافة في شمال البلاد. وفي المقابل يوجد النصارى بشكل كبير في الأقاليم الجنوبية من نيجيريا.
إن تحديد نسبة المسلمين في عدد من الأقطار الإفريقية، من بينها نيجيريا- دائما ما تكون مجال نزاع بين ما يقدرون من نسبة تخصهم، والإحصاءات الرسمية، التي عادت ما يرى المسلمون ومؤسساتهم الرسمية أنها إحصاءات غير صحيحة، يقصد بها التقليل من نسبتهم، في مقابل زيارة نسبة النصارى وأصحاب الديانات التقليدية.
ومهما يكن الأمر، فإن الإسلام هو الدين الأكثر اعتناقا وسط سكان نيجيريا، مع ملاحظة التعدد الديني الواضح الذي تشهده البلاد، وأن هناك وجودا معتبرا للديانة النصرانية. وانطلاقا مما تقدم فيمكن القول إن نيجيريا قطر متعدد الإثنيات، متعدد اللغات، متعدد الأديان، مع وجود إثنيات، ولغات، وأديان تمثل الأغلبية بين التركيبة السكانية واللغوية والدينية.
على كلّ، فإن تاريخ نيجيريا فيما بعد الاستقلال، الذي تم في العام 1960، شهد جراء ذلك التعدد العرقي والديني وما يزال يشهد- تعرض البلاد إلى توترات عديدة- يقف من خلفها الدين والعرق. وكان السبب الأساس والأهم فيها، التفاوت في التنمية الاقتصادية والتعليمية في جنوب تسكنه غالبية نصرانية، وشمال تسكنه غالبية مسلمة.
هذا، وقد انضاف صراع جديد في الساحة النيجيرية، بين المسلمين أنفسهم، طرف فيه مسلم سني، وطرف آخر فيه مسلم شيعي، مما شكّل بعدا جديدا في طبيعية الصراعات بالبلاد. ولا شك أن الطرف الأخير، يقف من خلفه مكوّن خارجي تدعمه جمهورية إيران سياسيا ومذهبيا، كما سنعرف لاحقا.
إيران في إفريقيا: الطموحات والإستراتيجيات:
يعود الاهتمام الإيراني بالقارة الإفريقية إلى ستينات وسبعينات القرن الماضي، بالتحديد في فترة حكم الشاه، عندما شرعت إيران في إقامة علاقات دبلوماسية مع الدول الإفريقية. وكانت هذه العلاقات في إطار النسق العام للوضع الدولي والإقليمي آنذاك. والواضح أن ذلك الاهتمام كانت تفرضه طبيعة العلاقات الدبلوماسية بين البلدان، على أمل التعاون المتبادل فيما بينها على الصعد الاقتصادية والثقافية، وربما السياسية.
وبعد الثورة الإيرانية وسقوط حكم الشاه وصعود التيار الإسلامي إلى سدة الحكم، تراجع الاهتمام بإفريقيا بعض الشيء، بسبب انشغال النظام الجديد في ترتيب أوضاع البيت من الداخل. وترسيخ دعائم حكمه. واستمر هذا الوضع إلى ما بعد انتهاء الحرب الإيرانية مع العراق. وبعد أن تم للنظام الإيراني ما أراد أعاد الاهتمام بالقارة الإفريقية مرة أخرى، وفق نسق من السياسات الاقتصادية والأيدولوجية والتخطيط الإستراتيجي، وَضَعَه قادة النظام الجديد بداية من الرئيس هاشمي رفسنجاني. وتمكنت إيران بالفعل من تحقيق اختراق كبير للقارة الإفريقية. تم لها ذلك الاختراق في فترة وجيزة، مما يظهر جديتها فيما ترغب في تحقيقه من ذلك الاختراق في العديد من الأقطار الإفريقية.
يعتمد النفوذ الإيراني في إفريقيا على سياسة نشر أكبر عدد من البعثات الدبلوماسية في القارة. وبناء مشروعات صغيرة ومتوسطة، بالإضافة إلى وعود بزيادة التعاون في المستقبل. فهي بذلك تحقق وجودا فعليا على الأرض الإفريقية. وتتخذ من المشروعات بأوصافها المختلفة مدخلا ناعما لاجتذاب من لهم صلة بتلك المشروعات.
لقد اتخذت إيران العديد من الوسائل للتغلغل في بلدان القارة الإفريقية، نذكرها مجملة على النحو التالي:
1-المساعدات المالية.
2- التبادل التجاري والاستثماري.
3- الوسائل الدينية والمذهبية.
4- الشخصية الإفريقية تربة خصبة لتقبل أي فكرة جديدة.
5- استقطاب القيادات الإسلامية.
6- الوسائل العسكرية.
7- الجالية اللبنانية وحزب الله.
8- المنح الدراسية.
9- الزيارات الرئاسية.
إن كل وسيلة من تلك الوسائل، التي تم اختيارها بعناية تامة، تستطيع أن تكون نقطة الارتكاز للتغلغل الإيراني في المجتمعات الإفريقية. ويفهم من قائمة تلك الوسائل أنها أعدت لتخاطب البيئات المختلفة في القارة الإفريقية. فلا تعدم بيئة على الأقل من وسيلة، يتحقق من خلالها ذلك التغلغل.
سعت إيران خلال العقدين الأخيرين- إلى تعزيز دورها الإستراتيجي والعسكري والاقتصادي والاستثماري في إفريقيا. وذلك وسط تنافس على النفوذ الإيراني وإسرائيل على القارة، التي تتسم بموارد مائية كثيرة. كما تتسم بموارد نفيسة، مثل: الألماس واليورانيوم.
ويرى بعض المختصين في مجال الدراسات الإفريقية، في شقّها السياسي، ومنهم محمد سليمان الزواوي- أن الطموحات الإيرانية في إفريقيا، ترتكز على محورين: المحور الأول: هو النشاط الدبلوماسي من أجل عدم عزلتها، والتصويت ضدها في المنظمات الدولية، ومحاولة إنشاء نظام عالمي بديل مع القوى المعادية للولايات المتحدة. والمحور الثاني: هو المجال الاقتصادي، وتهدف إيران من خلاله إلى الحصول على اليورانيوم لتمويل برنامجها النووي.
كما يرى الزواوي نفسه بأن التوجه الإستراتيجي لإيران في إفريقيا- يهدف بالأساس إلى تقليل الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية من الغرب، ولمحاولة عقد تحالفات طويلة الأمد مع دول معارضة للنظام العالمي الحالي… وأن السياسة الإيرانية تعتمد في الأساس على إنشاء مليشيات موالية لها في الكثير من البقاع المشتعلة حول العالم. وقد دلت التجربة أن إيران حققت الكثير مما ترمي إليه. وحسبنا في هذا المجال التركيز على دورها في نشر التشيع في عدد معتبر من أقطار إفريقيا.
إيران وأهداف نشر المذهب الشيعي في إفريقيا:
عرفنا من قبل أن المدخل الإيراني لقارة إفريقيا يغلب عليه التوجه السياسي، ثم التوجه الاقتصادي، فهل كان التوجه الديني مستترا؟ أي أنه هدف غير معلن. سنحاول الإجابة عن هذا السؤال، بإيجاز، فيما يلي من فقرات.
ابتداء، لا بد من القول إنه كان من أهداف الثورة الإيرانية، التي حدثت في فبراير 1979- نشر المذهب الشيعي، فكانوا يوزعون المنشورات والكتب مجانا، ويرفعون الشعارات البراقة، من تأسيس الجمهورية الإسلامية، وتحرير المسجد الأقصى من أيدي اليهود، ومقارعة أعداء الله، ورفع الظلم عن الشعوب المستضعفة، إلى غير ذلك من الشعارات البراقة، التي خدعت كثيرا من شباب المسلمين قليلي الخبرة والتعليم، وألقت بهم في غياهب التشيع والرفض. لكن هذا، على وجاهته، لا يعني أن إفريقيا عرفت الوجود الشيعيّ، والتشيع بعد قيام الثورة في إيران في خواتيم سبعينات القرن الماضي.
الحق أن التشيع في إفريقيا، تاريخيا، يرجع إلى الوجود الشيعي بإفريقيا الشرقية تحديدا، إلى الظروف التاريخية والاجتماعية في ظل التجارة البحرية عبر المحيط الهندي. وقد وفدت أعداد من الشيعة في الهند وإيران إلى سواحل شرق إفريقيا للتجارة. واستوطن بعضهم في الممالك، التي عرفت آنذاك بممالك الطراز الإسلامي. ولكن تلك الأعداد من الشيعة كانت أفرادا ومجموعات صغيرة، هدفها الأول تجاري وليس دعويا. بعد ذلك جاءت موجة ثانية من الشيعة إلى بلدان شرق إفريقيا في أواخر القرن التاسع عشر، وهم الهنود والغوجارتيون الذين أتت بهم الشركة البريطانية من الهند الشرقية للعمل في بناء السكة الحديد بكينيا في مستهل القرن العشرين. وقد استوطنت مجموعة من أولئك فيما بعد بكينيا وأوغندا وتنزانيا. ومن هؤلاء تكونت المجموعات الشيعية في بلاد شرق إفريقيا، وهي ثلاث فرق: الاثنا عشرية والخوجة الإسماعيلية والبهرة.
وسيتضح بعد قليل أن شرق إفريقيا بحكم القرب الجغرافي، وبحكم العلاقات المبكرة بينه وبين جنوب غرب آسيا وبلاد فارس والهند وباكستان، لا سيما العلاقات التجارية عبر المحيط الهندي- سبق غرب إفريقيا في الوجود الشيعي، والتشيع. وسيتضح أيضا أن التشيع في غرب إفريقيا أحرز من المكاسب ما يفوق ما تم أحرازه في شرق إفريقيا. وذلك مردّه إلى أن التشيع قبل الثورة في إيران تشيع ساكن “إستاتيكي”، أما بعد الثورة فصار تشيعا متحركا “ديناميكي”.
يعود الشيعة والتشيع في غرب إفريقيا إلى الشيعة من المهاجرين اللبنانيين الأوائل، الذين وفدوا إلى بلاد غرب إفريقيا في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، تحديدا عام 1880. إذ وفدوا إلى تلك المناطق مهاجرين فارين من اضطهاد الدولة العثمانية، أو– بعد ذلك- من الوضع الذي فرضه الاستعمار الفرنسي منذ قيام الجمهورية اللبنانية (في عام 1920)، وإعطاء الحظوظ لطائفة المارون الكاثوليك على المسلمين. وبعد منتصف القرن العشرين تضافرت ظروف أخرى لتشجيع الهجرة إلى غرب إفريقيا كالحرب الأهلية اللبنانية (1975- 1992). وسد أبواب الهجرة أمامهم إلى مناطق أخرى. أضف إلى ذلك وفرة الثروات الطبيعية بمنطقة غرب إفريقيا خاصة، واحتكار اللبنانيين للتجارة بتلك المناطق في معظم الأحوال.
كان جيل المهاجرين اللبنانيين إلى غرب إفريقيا من المسيحيين، غير أنه قد بدأت أعداد من المسلمين الهجرة إلى إفريقيا خاصة بعد عام 1975 في فترة نشوب الحرب الأهلية اللبنانية. والواقع أن أولئل لم يكن لهم على امتداد نصف قرن أي إسهام في المستوى الدعوي الإسلامي. بل إن عامة الشعب في ساحل العاج والسنغال وسيراليون، مثلا، لا يدركون أن اللبنانيين مسلمون، إذ لا يرى أحد منهم في مساجد المسلمين، ولا يشاركونهم في أعيادهم الإسلامية أو الشعائر الإسلامية، أو غير ذلك من المظاهر الإسلامية الشكلية المعتادة. وذلك بسبب أن أولئك اللبنانيين عاشوا حياة الانعزال عن سكان البلاد الأصليين، فلم يخالطوهم لا في السراء ولا في الضراء.
لكن الجالية الإسلامية تلك، هي التي كانت- فيما بعد- جسرا ممدودا للحركة الشيعية في بلاد غرب إفريقيا. وذلك حين بدأت حركات داخلية في المراكز التاريخية للشيعة بالشرق الأوسط (لبنان وإيران) بالظهور، واكتساب صبغة عالمية، كحركة حزب الله اللبنانية. وقيام الثورة الإيرانية، التي ألجأتها الظروف السياسية إلى البحث عن مناصرين، وقواعد خارجية للانطلاق منها في صراعها ضد فرقاء كثر. ومن هذا المنطلق برز دور الجاليات اللبنانية ببلاد غرب إفريقيا- خاصة- في دعم الحركات الشيعية في إيران ولبنان، وبتسهيل تغلغل تلك الحركات في المجتمعات الإفريقية.
وقد اتضح فيما بعد أن تلك الجالية، التي أمسكت بعصب الاقتصاد في بلدان إفريقية عديدة- لعبت دورا جوهريا في إرساء القواعد، التي انطلقت منها حملات التشيع. بحكم معرفتها المعتبرة بمختلف المجتمعات الإفريقية. وبحكم ارتباطها بحركات عديدة سعت إلى نشر التشيع في لبنان وإيران على وجه التحديد.
إلى ماذا تهدف إيران من نشر التشيع في إفريقيا؟ هذا سؤال مهم يتحتم طرحه قبل استعراض دول إفريقية مختلفة غزاها التشيع بالفعل.
هناك العديد من الأهداف، التي تسعى إيران وبعض الحركات الشيعية في الشرق الأوسط وغيره، من خلالها إلى نشر المذهب الشيعي في إفريقيا. وقد حاول بعض المتخصصين في هذا المجال حصرها. وذلك على النحو التالي:
1- أهداف جيوإستراتيجية لتطويق دول الخليج.
2- أهداف عسكرية (هناك العديد من الجماعات الشيعية في غرب إفريقيا لها أذرع عسكرية).
3- أهداف اقتصادية (هناك استثمارات لجماعات مثل حزب الله في دول، مثل سيراليون).
4- التبشير بالتشيع.
5- غسيل الأموال وتجارة المخدرات.
6- بيئة خصبة للتدريب العسكري.
ولا شك أن تلك الأهداف جامعة مانعة لجميع أوجه الحياة، من سياسة واقتصاد ودين… إلخ. فالتشيع والدعوة له، من منظورهم يحقق كل ما يمت للحياة بصلة.
ولتأكيد تحقيق تلك الأهداف- أطلقت إيران أكبر مشروع لنشر التشيع في ثلاثين دولة إفريقية، تحت عنوان: “الدعوة والترويج ونشر التشيع، والتعريف بالإمام المهدي ورسالة المهدي للدول الإفريقية”. وقد رصدت الحكومة الإيرانية ميزانية ضخمة جدا لتبليغ التشيع وإرسال المبلغين والفعاليات المذهبية… وأنشئت عشرات الفضائيات الطائفية، ومئات المؤسسات، وآلاف الحسينيات والاحتفالات، تحتضنها سياسة توسعية.
وقد استطاعت إيران الوصول إلى أغلب المناطق الإفريقية، التي كانت مرتبطة بالمؤسسات الخيرية الخليجية، وصادرت المساجد والمجمعات، التي تم تأسيسها عن طريق المؤسسات الخيرية الإسلامية، وحولتها إلى مراكز لنشر التشيع والترويج له في إفريقيا.
أما فيما يخص الانتشار الجغرافي للتشيع في إفريقيا- فإنه قد غطى المناطق التالية:
1- منطقة الحزام الإسلامي في غرب إفريقيا.
2- حوض النيل وشرق إفريقيا.
3- جنوب وشمال إفريقيا.
وبذا تكون إيران وما يشايعها من دول ومؤسسات وجمعيات- قد نشرت التشيع في مناطق إفريقيا المختلفة، دون استثناء.
وإذا تم التركيز على المنطقة الأولى، وهي منطقة الحزام الإسلامي في غرب إفريقيا، والتي تقع فيها دولة نيجيريا موضوع تناولنا الأساس في هذه الدراسة- فقد استفادت إيران من خصائص هذه المنطقة لتدعيم علاقتها مع دوله ( مثل: موريتانيا والنيجر وليبيريا ونيجيريا… إلخ). وعلى رأس تلك الخصائص أنها تمثل كتلة إسلامية في القارة الإفريقية، نظرا لأن الدين الإسلامي هو الدين الرسمي لغالبية السكان. وقد شكلت تلك التركيبة السكانية بيئة خصبة لنشر التشيع، لا سيما التركيبة السكانية كثيرة العدد والتنوع في منطقة الحزام الإسلامي، التي تتصدر قائمتها دولة نيجيريا بلا منازع.
(انتهى الجزء الأول من المقال)

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.