منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

المحليات في السودان: جباية بلا تنمية ودولة تُدار بعقلية الجابي لا بعقلية البنّاء ️ محمد بلال كوداوي 

0

المحليات في السودان: جباية بلا تنمية ودولة تُدار بعقلية الجابي لا بعقلية البنّاء

️ محمد بلال كوداوي

 

في كل دول العالم، تُقاس كفاءة الحكومات المحلية بقدرتها على تحسين حياة المواطن: خدمات
بنية تحتية
تخطيط حضري
وبيئة معيشية كريمة.

أما في السودان، فقد انقلبت المعادلة رأساً على عقب فصارت المحليات خصوصاً في الولاية الشمالي أجهزة جباية صريحة، لا ترى في المواطن إلا “محفظة متنقلة”، ولا في التنمية إلا شعاراً للاستهلاك الإعلامي.

المشكلة ليست في ضعف الموارد كما يُروَّج دائماً، بل في عقلية الإدارة نفسها.
عقلية ترى النجاح في حجم ما يُحصَّل، لا في ما يُنجَز. موظف المحلية لا يُكافأ لأنه حسّن خدمة أو خطّط مشروعاً أو حل أزمة
بل يُكافأ كلما اجتهد في تحصيل الرسوم وابتكار وسائل جديدة لابتزاز المواطن المغلوب على أمره وكأن الدولة أعلنت دون أن تقول، أن البقاء للأكثر قدرة على “حلب” الناس.

هذه ليست إدارة دولة
هذه إدارة أزمة دائمة
بل إدارة فشل مزمن.

الفساد في المحليات لم يعد حالات فردية، بل صار ثقافة مؤسسية.
رسوم بلا سند قانوني واضح،
جبايات متعددة على نفس الخدمة،
تحصيل دون مقابل حقيقي،
وتواطؤ صامت بين مستويات مختلفة من الجهاز التنفيذي.

أما الكفاءة، فهي آخر ما يُبحث عنه.
من يجيد العمل لا يجد بيئة تحترمه،
ومن يجيد التدبير وفتح أبواب التحصيل هو من يتقدم.

وهنا يجب أن نطرح السؤال المؤلم:
هل هذا هو السبب الحقيقي لوجود السودان في ذيل الأمم؟

والإجابة قطعاً نعم،
لأن الدول لا تنهار فقط بالحروب أو الأزمات، بل تنهار حين تتحول مؤسساتها إلى عبء على مواطنيها.
حين يصبح الجهاز الحكومي أداة سحب لا أداة بناء، فإن النتيجة الطبيعية هي
اقتصاد منهك،
مجتمع محبط،
وهجرة مستمرة للعقول والطاقات.

الأخطر من ذلك هو القبول بالأمر الواقع.
كأن هذا النظام الإداري الفاشل قدر لا يُرد أو كتاب مقدس لا يجوز الاقتراب منه.

نستمر في تكرار نفس الأخطاء ونندهش من نفس النتائج.
ندفن رؤوسنا في الرمال، ونتجنب مواجهة الحقيقة:
أننا بحاجة إلى تغيير جذري، لا تجميل سطحي.

العالم من حولنا تجاوز هذه المراحل منذ عقود. انتقل إلى نظام حكم مؤسسي قائم على :
الشفافية، المساءلة، فصل السلطات، وربط الأجر بالإنتاج لا بالجباية.

هناك، المؤسسات تُقاس بعدد المشاريع التي أنجزتها، لا بعدد الإيصالات التي طبعتها.

أما نحن، فما زلنا نراوح مكاننا
بل نتراجع.

إلى متى نظل ندور في هذه الحلقة المفرغة؟
ومتى نمتلك الشجاعة لنقول: هذا النظام لا يصلح، ويجب تغييره؟

الإصلاح الحقيقي يبدأ بالاعتراف،
ثم المحاسبة،
ثم إعادة البناء على أسس حديثة.

نحتاج إلىأنظمة مؤسسية بديلة لهذه المحليات تخدم المواطن، لا تستنزفه.

نحتاج إلى موظف يُكافأ على الإنجاز لا على الجباية.
نحتاج إلى دولة تفهم أن التنمية ليست شعاراً، بل مسؤولية.

وإلى أن يحدث ذلك، سيبقى السؤال معلقاً في الهواء:
*هل نريد فعلاً أن ننهض أم تعودنا على القاع*؟؟؟؟؟

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.