هل يمكن استيراد السلام؟ تأملات في مؤتمر برلين حول السودان د. ميمونة سعيد آدم أبورقاب
هل يمكن استيراد السلام؟ تأملات في مؤتمر برلين حول السودان
د. ميمونة سعيد آدم أبورقاب
في عالمٍ تتداخل فيه السياسة بالأمن، والدبلوماسية بالمصالح، يظل سؤال السلام في السودان سؤالًا مفتوحًا على الاحتمال والشك معًا: هل يمكن بالفعل “استيراد السلام” عبر المؤتمرات الدولية، أم أن السلام كقيمة سياسية واجتماعية لا يُبنى إلا من داخل التجربة الوطنية نفسها؟ هذا السؤال يفرض نفسه بقوة عند مقاربة مؤتمر برلين حول السودان، الذي جاء في سياق حربٍ أنهكت الدولة وأعادت تشكيل موازينها الداخلية والخارجية.
من الناحية النظرية، تبدو المؤتمرات الدولية أدوات ضرورية في إدارة النزاعات المعقدة، خاصة عندما تعجز الأطراف المحلية عن الوصول إلى تسوية. فمؤتمر برلين يُقدَّم باعتباره منصة لجمع الفاعلين الدوليين والإقليميين، بهدف الدفع نحو وقف إطلاق النار، وتسهيل إيصال المساعدات الإنسانية، وتهيئة مسار سياسي شامل. لكن خلف هذه الأهداف المعلنة، يبرز سؤال أعمق: هل يمتلك الفاعل الدولي القدرة على صناعة سلام حقيقي في سياق شديد التعقيد مثل السودان، أم أنه يكتفي بإدارة الأزمة دون حل جذورها؟
إن فكرة “استيراد السلام” تفترض ضمنًا أن الحل يمكن أن يُصاغ خارج حدود الدولة، ثم يُنقل إليها كحزمة جاهزة. غير أن التجربة السودانية، مثل غيرها من تجارب النزاعات الممتدة، تشير إلى أن السلام ليس منتجًا سياسيًا قابلًا للتصدير، بل هو عملية اجتماعية وتاريخية معقدة، تتطلب إعادة بناء الثقة بين المكونات الداخلية، ومعالجة جذور الصراع، لا مجرد وقف إطلاق النار.
في هذا السياق، يواجه مؤتمر برلين إشكالية بنيوية تتعلق بطبيعة التمثيل والشرعية. فغياب أو ضعف حضور القوى الفاعلة داخل السودان، سواء السياسية أو المجتمعية أو حتى بعض الأطراف المؤثرة ميدانيًا، يطرح تساؤلات حول مدى قدرة أي مخرجات على التحول إلى واقع قابل للتطبيق. إذ لا يمكن لأي تسوية أن تنجح إذا لم تنبع من توازنات الداخل، مهما بلغت قوة الدعم الخارجي لها.
كما أن الأجندات الدولية لا يمكن فصلها عن سياقها. فالمجتمع الدولي لا يتحرك فقط بدافع إنساني، بل تحكمه اعتبارات الأمن الإقليمي، والهجرة، والطاقة، والتوازنات الجيوسياسية. هذا لا ينفي أهمية التدخل الدولي، لكنه يضعه في إطار أكثر تعقيدًا، حيث تتقاطع النوايا الإنسانية مع الحسابات الاستراتيجية، ما يجعل مفهوم “السلام” نفسه عرضة لإعادة التفسير وفق المصالح.
على المستوى الفلسفي، يمكن القول إن السلام ليس لحظة تُعلن، بل حالة تُبنى. إنه ليس قرارًا يُتخذ في قاعة مؤتمر، بل عملية طويلة من تفكيك أسباب الحرب وإعادة صياغة العقد الاجتماعي. ومن هنا، يصبح السؤال أكثر عمقًا: هل يمكن لأي مؤتمر، مهما كان حجمه أو تأثيره، أن ينجز ما لم تنجزه المجتمعات نفسها من مصالحة داخلية؟
إن السودان اليوم يقف أمام مفترق طرق تاريخي، حيث تتقاطع الحرب مع محاولات التسوية، ويتداخل المحلي مع الدولي، في مشهد شديد التعقيد. وبينما تظل مبادرات مثل مؤتمر برلين مهمة من حيث فتح قنوات الحوار، إلا أنها لا تكفي وحدها لصناعة سلام مستدام، ما لم تُترجم إلى إرادة داخلية جامعة، وإلى مشروع وطني يعيد تعريف الدولة والعلاقة بين مكوناتها.
في النهاية، ربما لا يكون السؤال: هل يمكن استيراد السلام؟ بل: كيف يمكن تحويل الدعم الدولي إلى أداة لتعزيز سلام يصنعه السودانيون بأنفسهم؟ فالتجربة تُثبت أن السلام، مهما تعددت وسائطه، يظل في جوهره فعلًا داخليًا قبل أن يكون ترتيبًا خارجيًا، وإرادة شعب قبل أن يكون قرار مؤتمر.
