منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

صيانة الأمن القومي وتعزيز الديمقراطية .. بين سلطان القانون وإرادة الشعب السفير / رشاد فراج الطيب

0

صيانة الأمن القومي وتعزيز الديمقراطية .. بين سلطان القانون وإرادة الشعب

 

السفير / رشاد فراج الطيب

 

لم تعد قضايا الأمن القومي والديمقراطية في السودان موضوعات منفصلة يمكن تناولها كلٌ على حدة ، بل أصبحا وجهين لأزمة واحدة تتعلق بطبيعة الدولة نفسها .

هل هي دولة قادرة على البقاء ، أم كيان هش يتأرجح بين الفوضى والانقضاض على السلطة ؟

لقد أثبتت التجربة السودانية أن الديمقراطية ، حين تُقام في بيئة أمنية مختلة ، تتحول إلى ساحة صراع مفتوح ، وأن الأمن القومي ، حين يُدار خارج إطار قانوني ديمقراطي ، ينزلق إلى أداة للهيمنة لا للحماية .

ومن هنا فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في الاختيار بين الأمن والديمقراطية ، بل في بناء المعادلة التي تجمعهما تحت سقف واحد هو دولة القانون المدعومة بإرادة شعبية واعية .

إن نقطة البداية في هذه المعادلة هي استعادة الدولة لاحتكارها المشروع للقوة .

فلا ديمقراطية يمكن أن تنشأ في ظل تعدد الجيوش والمليشيات ، ولا أمن قومي يمكن أن يُصان في ظل تعدد القرار العسكري .

إن توحيد السلاح تحت مظلة الدولة ليس إجراءً أمنيًا فحسب ، بل هو شرط تأسيسي لقيام أي نظام سياسي مستقر .

غير أن هذا الاحتكار للقوة لا يكتسب شرعيته إلا من خلال سلطان القانون والدستور .

فالدولة التي تحتكر القوة دون أن تخضعها لإطار قانوني عادل ، تُفرغ الديمقراطية من مضمونها ، وتحوّل الأمن إلى ذريعة للقمع .

لذلك فإن بناء منظومة قانونية تحكم العلاقة بين السلطة والمجتمع ، وتضمن خضوع الجميع للمساءلة ، هو الركيزة التي يتوازن عندها الأمن مع الحرية .

وفي هذا السياق يبرز إصلاح الحياة الحزبية كشرط لا غنى عنه لتعزيز الديمقراطية وصيانة الأمن معًا .

فالأحزاب التي تفتقر إلى الديمقراطية الداخلية والشفافية والحوكمة ، وتعتمد على الولاءات الضيقة أو التمويل الخارجي او غير القانوني ، لا تنتج استقرارًا سياسيًا ، بل تعيد إنتاج الأزمات وتفتح المجال للاختراق الأجنبي .

ومن ثم فإن سن قانون حديث وفعال للأحزاب ، يفرض الشفافية ويمنع التمويل والدعم الخارجي ، يمثل خطوة أساسية في تحصين القرار الوطني والامن القومي .

كما أن ضبط العلاقة بين المؤسسة العسكرية والقوى السياسية يظل حجر الزاوية في هذه المعادلة .

فالديمقراطية لا تستقر في ظل غياب حماية الجيش

كما أن الأمن القومي لا يُحمى في ظل صراع بين المدنيين والعسكريين .

المطلوب هو جيش مهني ، يحمي الدستور ولا ينافس عليه ، وسلطة مدنية تدير الدولة دون أن تُضعف مؤسساتها السيادية .

وفي الامتداد الطبيعي لذلك تبرز قضية تأمين الحدود ، ليس فقط كمسألة أمنية ، بل كجزء من سيادة الدولة التي تُعد شرطًا لأي ممارسة ديمقراطية حقيقية .

فالدولة التي لا تسيطر على حدودها ، ولا تمنع تدفق السلاح أو تسلل الجماعات المسلحة ، تظل عرضة للاختراق ، بما يقوض استقرارها السياسي .

كما أن الأمن القومي لا يكتمل دون اقتصاد وطني قوي .

فالديمقراطية في ظل الفقر والهشاشة الاقتصادية تصبح قابلة للبيع والشراء ، والأمن في ظل التبعية الاقتصادية يصبح قابلًا للاختراق .

ومن هنا فإن بناء اقتصاد إنتاجي مستقل ليس خيارًا تنمويًا فحسب ، بل هو ضمانة مزدوجة لحماية الإرادة الشعبية ، ولتحصين القرار السيادي أيضا .

وفي قلب هذه المعادلة ، تقف مسألة العلاقة مع الخارج .

إذ لا يمكن السماح بأن يتحول التنافس السياسي الداخلي إلى بوابة للاستقواء بالقوى الخارجية .

إن صيانة الأمن القومي وتعزيز الديمقراطية يقتضيان معًا وضع إطار قانوني واضح ينظم هذه العلاقة ، يجرّم التواطؤ الذي يمس السيادة والأمن الوطني ، ويضمن في الوقت ذاته عدم استخدام هذه القوانين كأداة لإقصاء الخصوم خارج القضاء .

وهنا يتجلى التكامل بين سلطان القانون وإرادة الشعب .

فالقانون يضع الحدود ويحمي الدولة ، بينما تمثل الإرادة الشعبية الضامن الحقيقي لتطبيقه .

فلا ديمقراطية بلا مجتمع واعٍ يرفض الفساد وشراء الذمم ، ولا أمن قومي بلا رأي عام يقظ يدرك خطورة التفريط في المصالح الوطنية .

غير أن هذه الإرادة الشعبية لا بد أن تعمل داخل إطار منضبط ، حتى لا تتحول إلى فوضى أو إلى أداة لتصفية الحسابات .

فكما أن غياب القانون خطر ، فإن انفلات المجتمع خارج القانون خطر موازٍ له .

وفي هذا السياق ، تظل مكافحة الفساد عنصرًا مشتركًا بين الأمن والديمقراطية .

فهو لا يقوض فقط نزاهة العملية السياسية ، بل يضعف الدولة من الداخل ، ويفتح أبوابها للتدخل الخارجي .

الخلاصة أن السودان لا يواجه أزمة أمن قومي منفصلة عن أزمة الديمقراطية ، بل يواجه أزمة دولة لم تُحسم أسسها وخياراتها في كيفية الحكم بعد .

فالديمقراطية دون أمن تتحول إلى فوضى ، والأمن دون ديمقراطية يتحول إلى استبداد .

وحدها الدولة التي يحكمها القانون وتحميها إرادة شعبها قادرة على تحقيق المعادلة الصعبة : الاستقرار مع الحرية .

إن اللحظة الراهنة تفرض الانتقال من إدارة التناقض بين الأمن والديمقراطية ، إلى بناء التكامل بينهما .

فإما أن يُعاد تأسيس الدولة على هذا الأساس ، أو يظل السودان أسير حلقة مفرغة ، تتكرر فيها الأزمات بأوصاف مختلفة .

وفي مثل هذه اللحظات ، لا يكون الخيار بين بدائل متعددة… بل بين البقاء والتطور أو التشظي والإنقسام .

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.