البعد الاخر د مصعب بريــر 7000 صحفي.. من يكتب للوطن ومن يبيعه؟
البعد الاخر
د مصعب بريــر
7000 صحفي.. من يكتب للوطن ومن يبيعه؟
حين تتصفح هاتفك كل صباح بحثاً عن خبر يطمئنك على بيتك، أو شارعك، أو ما تبقى من وطنك، تدرك فوراً حجم الفوضى. الأخبار تتضارب، الشائعات تنتشر كالنار في الهشيم، والجميع فجأة باتوا يتحدثون بصفة “مصادر مطلعة”.
في وسط هذا الضجيج المرهق للمواطن السوداني، يبرز سؤال بديهي: من هو الصحفي الحقيقي اليوم؟ وما الذي يفصل بين من ينقل الحقيقة ومن يصنع الوهم؟
الإجابة عن هذا السؤال هي تماماً ما يحاول الاتحاد العام للصحفيين السودانيين البحث عنه الآن. خطوة الاتحاد الأخيرة بالإعلان عن مراجعة وتنقيح السجل الصحفي ليست مجرد إجراء إداري روتيني، بل هي محاولة لضبط بوصلة فُقدت في زحمة الأحداث. عندما نتحدث عن قائمة تضم أكثر من سبعة آلاف صحفي في السودان، فإننا أمام تضخم مهني يحتاج إلى وقفة صارمة. هذا الرقم الضخم يعني ببساطة أن المهنة ترهلت، وأن اختلاط الحابل بالنابل لم يعد مجرد وصف مجازي، بل واقع يومي نعيشه.
قرار الاتحاد بالتمهيد للعودة لمزاولة العمل من مقره بالخرطوم، واستناده إلى قانون الصحافة لسنة 2009، يحمل دلالات تتجاوز مجرد ترتيب الأوراق. نحن أمام واقع جديد فرضته حرب قاسية، والمواطن العادي هو الضحية الأولى للتلوث المعلوماتي. الخبر الكاذب اليوم لا يكتفي بتضليل القارئ، بل قد يتسبب في تهجير أسرة، أو إثارة ذعر في مدينة آمنة. لذلك، جاءت إشارة الاتحاد واضحة بضرورة إسقاط أسماء من تورطوا في مخالفات تمس صميم المهنة، متجاوزين الأخطاء التحريرية نحو التورط في أجندات وارتباطات مشبوهة بجهات خارجية ساهمت في تمزيق النسيج الوطني وهدم كيان الدولة.
هذا الانتقال من المحاسبة المهنية البحتة إلى المحاسبة ذات البعد الوطني يضعنا أمام استحقاق معقد. فالدعوة الموجهة لمؤسسات الدولة بعدم التعامل إلا مع حاملي البطاقات الصحفية المعتمدة والسارية، هي محاولة جادة لتجفيف منابع الصحافة العشوائية ومحاصرة الظواهر السالبة. وتكوين لجان داخلية لوضع معايير دقيقة لتنقيح السجل يبدو خطوة في الاتجاه الصحيح لإعادة الهيبة للمهنة، لكن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في سحب البطاقات من المخالفين، بل في إعادة بناء الثقة المفقودة بين المتلقي والمنصات الإعلامية.
إن مناشدة الكيانات والروابط الصحفية لتوفيق أوضاعها وإيداع لوائحها استعداداً للمرحلة المقبلة، تخبرنا أن هناك رغبة حقيقية في إعادة ترتيب البيت الداخلي على أسس قانونية صلبة. ولكن، وسط هذه القرارات واللجان والمساعي التنظيمية، يجب ألا ننسى أن الصحافة في جوهرها ليست مجرد نظام أساسي أو لوائح تُودع لدى مسجل التنظيمات. الصحافة مسؤولية ثقيلة، وأمانة تُحمل على الأعناق قبل أن تُطبع على الورق أو تُنشر في الفضاء الإلكتروني، خاصة في بلد ينزف ويحتاج إلى كل كلمة صادقة لتضميد جراحه.
بعد اخير:
خلاصة القول، قد ينجح الاتحاد في غربلة السجل، وقد يتقلص رقم السبعة آلاف إلى النصف أو أقل، وسيعود الانضباط المفقود تدريجياً إلى أروقة المؤسسات الإعلامية. لكن الحقيقة التي ستظل شاخصة أبعد من كل القوانين والبطاقات الملونة؛ فالسجل قد يمنحك صفة الصحفي، لكنه أبداً لا يمنحك شرف الكلمة.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
السبت | 2 مايو 2026م
musapbrear@gmail.com
