البعد الاخر د مصعب بريــر 73% خارج قيد الحياة.. الفقر يبتلع السودان ..!
البعد الاخر
د مصعب بريــر
73% خارج قيد الحياة.. الفقر يبتلع السودان ..!
هل جربت يوماً أن تتأمل دلالة الأرقام حين تتوقف عن كونها مجرد إحصائيات جافة وتتحول إلى وجوه بشرية تعرفها؟ عندما يعترف وزير الموارد البشرية، معتصم أحمد صالح، بأن نسبة الفقر في السودان قفزت إلى مستوى غير مسبوق لتلتهم 73% من المواطنين في الداخل والخارج، فإننا لا نتحدث عن مؤشر اقتصادي، بل عن بيوت انطفأت قناديلها، وعائلات باتت تبحث عن ثمن وجبة واحدة. هذه الصدمة الرسمية تأتي لتضعنا أمام الحقيقة العارية التي أفرزتها حرب أبريل 2023؛ حقيقة أن الأغلبية الساحقة من شعبنا أصبحت تواجه شبح العوز اليومي في معركة شرسة للبقاء.
المفارقة الموجعة تكمن في أن هذا التراجع لم يكن قدراً حتمياً، بل انتكاسة مروعة بعد سنوات من الكفاح الصامت. لو رجعنا بالذاكرة إلى الأرقام الأممية، سنجد أن السودان نجح في خفض معدلات الفقر من نحو 38% في تسعينيات القرن الماضي إلى قرابة 15% في عام 2011. لكن الحروب لا تدمر الجدران فقط، بل تمحو المكتسبات؛ إذ قفزت النسبة مجدداً مع اندلاع الصراع لتصل إلى 45%، ثم تعمقت الجراح في أواخر عام 2025 لتبلغ 71%، حتى وصلنا اليوم إلى وضع يعيش فيه نحو 24 مليون سوداني تحت خط المعاناة، بأقل من ثلاثة دولارات يومياً.
كيف تترجم هذه الأرقام في تفاصيل الحياة اليومية للمواطن؟ إنها تظهر في غياب المياه والكهرباء، وفي السعي المضني خلف أبسط مقومات العيش وسط بنية تحتية دمر الصراع أركانها، وطال أكثر من 14 ألف محول كهربائي. ورغم الأنباء الحذرة عن عودة التيار الكهربائي بنسبة 80% في بعض المناطق المستقرة، إلا أن بقاء إمدادات المياه عند نسبة خجولة لا تتعدى 25% يلخص حجم التحدي. الفقر هنا ليس مجرد محفظة خالية، بل هو رحلة يومية شاقة تبدأ من البحث عن جرعة ماء نظيفة ولا تنتهي عند تدبير لقمة العيش.
أمام هذا الواقع، تبدو التحركات الحكومية المعلنة أشبه بمحاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه عبر خطة عاجلة لتمويل نصف مليون مشروع صغير تستهدف الشباب والنساء، ودعم القطاع الزراعي بالتقاوي والأسمدة. هذه الخطوات، الممتدة إلى خطة خماسية حتى عام 2030 تهدف لإنشاء ثلاثة ملايين مشروع، تحاول الاتكاء على تجارب دولية وإقليمية ناجحة، كالاستعانة بالخبرات المصرية في التدريب المهني وإعادة الإعمار. إن الرهان على الشراكات النسوية وإعادة تشغيل منافذ التمويل للعائدين يمثل نافذة أمل عملية، لكن العبرة تظل دائماً بمدى قدرة هذه البرامج على الصمود أمام آلة الحرب.
بعد اخير::
خلاصة القول، إن السير في طريق التعافي لا يتطلب خططاً ورقية بقدر ما يتطلب سباقاً مع الزمن قبل أن تغرق البلاد تماماً. تحذيرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تشير إلى أن استمرار النزاع سيفضي بحلول عام 2030 إلى سقوط 60% من السكان في قاع الفقر المدقع، وهو ما يعادل 36 مليون إنسان بلا خيارات. إننا أمام معركة وعي حقيقية؛ فالوعود بإعادة تأهيل المستشفيات بالجهود الشعبية وتجهيز آلاف المشاريع للعائدين لن تصنع فارقاً حقيقياً إذا ظلت وتيرة التدمير أسرع من محاولات البناء، وإذا استمرت الحرب في التهام مستقبلنا اليومي.
وأخيرًا، الفقر في السودان اليوم ليس مجرد نقص في الموارد، بل هو النتيجة الحتمية لغياب الاستقرار وسقوط الأمان. إن الخطط الاقتصادية، مهما بلغت دقتها، لن تكون سوى مسكنات مؤقتة لجسد ينزف بغزارة، فالجوع لا ينتظر انتهاء المعارك، وإعمار الأرض يبدأ أولاً بوقف إطلاق النار؛ وإذا لم تصمت البنادق الآن، فلن يتبقى قريباً شعب لإنقاذه، ولا وطن ليعود إليه العائدون.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الخميس | 11 يونيو 2026م
musapbrear@gmail.com
