منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي
آخر الأخبار
*ما وراء الزجاج:* *اقتصاد الحرب: لماذا وزارة العدل (وليس المالية) هي قائدة المعركة؟* هجو أحمد محم... الحكومة خاطبت مجلس الأمن بشأن سجون الميليشيا،، "دقريس وشالا".. تفاصيل مروِّعة.. مطالبات بتحقيق عاج... وداع مهيب بكادقلي تقديراً لجهوده المجتمعية.. اللواء محمد الحسن عبد الرحمن .. الطبيب الإنسان تكري... *مجتمعنا بشفافية* *د. سامي الدين محمد سعيد يكتب* *الآثار الاجتماعية للحرب* *التدخلات العاجلة لتخفيف ... *مجتمعنا بشفافية* *د. سامي الدين محمد سعيد يكتب* *الآثار الاجتماعية للحرب اكل ميراث المرأة ٤* *مجتمعنا بشفافية* *د. سامي الدين محمد سعيد يكتب* *الآثار الاجتماعية للحرب اكل الميراث ٣* *مجتمعنا بشفافية* *د. سامي الدين سعيد محمد سعيد يكتب* *الآثار الاجتماعية للحرب الميراث ٢* *البعد الاخر* *د. مصعب برير* *من غصة الخروج إلى يقين الاعمار: كيف تصنع الهجرة وعي العودة وبناء الوطن... *البعد- الاخر* *مصعب برير* *وزارة الأوقاف أم مجلس الحج؟.. صراع كسر الارادة الذي أقعد الخدمة المدنية* *وجعه الحقيقة ابراهيم شقلاوي* *التفاهة الرقمية.. ومأزق القيم*

*ما وراء الزجاج:* *اقتصاد الحرب: لماذا وزارة العدل (وليس المالية) هي قائدة المعركة؟* هجو أحمد محمد

0

*ما وراء الزجاج:*

*اقتصاد الحرب: لماذا وزارة العدل (وليس المالية) هي قائدة المعركة؟*

هجو أحمد محمد

في خضم الحروب المركبة الوجودية ينظر التقليديون إلى (وزارة المالية) باعتبارها صاحبة القرار الأول في إدارة المال العام وتمويل العمليات العسكرية ولكن تجارب الحروب المعاصرة خصوصاً في سياق الحرب الوجودية التي تستهدف كيان الدولة وقدراتها تبرز حقيقة مغايرة تماماً وهي أن وزارة العدل ووزارة العمل هما الركيزتان الأساسيتان لاقتصاد الحرب وهما من تقودان معركة الصمود وليس وزارة المالية.

هذه ليست مقولة إنشائية بل خلاصة منطق عملي صارم فاقتصاد الحرب لا يُدار فقط بـ(العملة) و(الموازنات التقديرية )، بل يُدار عبر التشريعات والقوانين والعقود وحقوق الملكية والردع القانوني في مكافحة الفساد وشبكات التهريب وقبل كل شيء بالطاقات البشرية المعبأة للإنتاج الفارق الجوهري أن وزارة المالية تدير وتنظم ماهو متوفر موجود ووزارة العدل تحمي ماهو متوفر موجود ووزارة العمل تصنع المبادرات وتُفجّر الطاقات.

*وزارة العدل تدير (عملة الثقة) والأمان، ووزارة المالية تدير (العملة الورقية)*

العملة الورقية تفقد قيمتها بسرعة في الحرب بسبب التضخم وتراجع الاحتياطي أما (عملة الثقة) التي يضمنها (القانون) فهي ما يُبقي المتعاملين في السوق فالتاجر يستمر إذا وثق أن عقوده محمية، والمودع يُبقي مدخراته إذا وثق أن البنك ملزم قانونياً بردها.

وزارة المالية لا تستطيع (طباعة الثقة) لكن وزارة العدل قادرة على (تشريعها) عبر قوانين واضحة وعقوبات رادعة. فعندما يصدر قانون بتجميد (أصول المليشيا ) ومصادرتها أو قانون ب(تسعيرة جبرية) تحمي المستهلك، أو قانون يمنع الإخلاء التعسفي للنازحين، فإن هذه التشريعات الطارئة تصنع ثقة تفوق أي تلاعب بسعر الصرف.

هنا المفارقة الأهم في زمن الحرب، تتحول البطالة من مشكلة اجتماعية إلى تهديد أمني مباشر. العاطل عن العمل إما أن يتعاون مع المليشيا مقابل المال، أو يغادر لاجئاً، أو يتحول إلى عبء على الدولة. لذلك، التوظيف الكامل ليس رفاهية، بل هو خط دفاع وطني، مما يستدعي امتصاص البطالة وتحويل كل طاقة متاحة إلى إنتاج ووزارة العمل وحدها القادرة على تحقيق (التوظيف الكامل للطاقات) في زمن الحرب حسب ما يصدر من تشريعات وقوانين لمجابهة الحرب الاقتصادية الممنهجه

تجارب الحروب تثبت أن تعثر القضاء ومؤسسات العدل والقانون يسبق انهيار العملة ففي أوكرانيا، صدرت قوانين طوارئ ل(تجميد أصول ) المرتبطين بروسيا ومصادرها خلال فترة وجيزة ، مما سمح باستمرار النظام المالي ومنع انهياره المبكر. في المقابل، في سوريا، عندما تعطلت (المحاكم التجارية) وانعدمت الثقة بالعقود، تحول الاقتصاد كله إلى نظام المقايضة وهو تراجع إلى عصور ما قبل النقود لذلك تعطيل أو عدم تفعيل دور وزارة العدل يعني انهيار آلية فض النزاعات، وبالتالي انهيار السوق نفسه. القضاء ليس رفاهية قانونية، بل هو خط الدفاع الأخير عن استمرارية التعاملات الاقتصادية في زمن الحروب وزارة العدل تحمي المصدر الأهم للدخل في الحرب خاصة تحويلات المغتربين كمصدر مهم في معظم الحروب حيث يتحول المصدر الأهم للعملة الصعبة من الصادرات إلى تحويلات المغتربين. في السودان، على سبيل المثال، تقدر هذه التحويلات بمليار دولار سنوياً حتى أثناء الحرب. لكن المشكلة أن هذه التحويلات لا تمر فقط عبر البنك المركزي، بل عبر أنظمة غير رسمية (ويسترن يونيون وغيرها).
هنا يبرز دور وزارة العدل التي تحمي هذا المصدر عبر تشريع قوانين تحمي هذه التحويلات من المصادرة أو السرقة، وتُجرّم أي تدخل فيها، وتضمن وصولها إلى مستحقيها دون ابتزاز. وزارة المالية لا تستطيع تنظيم ما هو غير رسمي، لكن وزارة العدل بقوانين رادعة تستطيع تأمينه فالفرق جوهري بين (اقتصاد الحرب) الذي ينهار و(اقتصاد المقاومة) الذي يصمد. يتلخص في وجود (مرجعية قانونية) مقبولة من الجميع، وهذا من صميم عمل وزارة العدل.

فإذا شعر المواطن أن القانون أصبح أداة انتقامية، سيلجأ إلى التهرب والتخفي والإخفاء، ويختفي الاقتصاد تحت الأرض. أما إذا شعر المواطن أن القانون عادل – رغم شدته في زمن الحرب – فسيتعاون، وستظهر مبادرات التمويل الجماعي والتكافل العائلي والإنتاج المحلي البديل وزارة العدل وحدها القادرة على صناعة هذه الشرعية الشعبية لاقتصاد الحرب. ومن دونها، تتحول الإجراءات الاقتصادية إلى مجرد ابتزاز حكومي يفقد الثقة.

*النموذج الإيراني – عندما يصبح التشريع بديلاً عن السوق*

وهنا تأتي إيران كنموذج صارخ يكشف تحولاً جذرياً في مفهوم إدارة الأزمات. ففي اقتصاد الحرب، لم تعد وزارة المالية أو البنك المركزي هما صانع القرار الأول، بل حل محلهما التشريع القانوني كأداة مركزية. إيران لم تواجه انهيار الريال (الذي وصل في بعض المنصات إلى عرض قيمته ـ (0.00 دولار ) بسبب الانخفاض المهول) ـ بأدوات نقدية تقليدية، بل بقوانين تُجرّم المضاربة، وتُشرّع التعددية السعرية، وتفرض احتكاراً حكومياً للاستيراد.

وهناك تجربة إيران التي تقدم نموذجاً فريداً لدولة حوّلت (عجزها الاقتصادي) إلى (فائض تشريعي) القانون هنا لم يعد مجرد منظم للسوق، بل أصبح بديلاً عنه – السلطة القضائية حوّلت نفسها إلى (سوق صرف موازٍ) عبر المصادرة دون حكم قضائي مسبق، ومجلس الشورى فرض سقفاً للتعاملات الرقمية (5000 دولار سنوياً) كأنه (بنك مركزي تشريعي) هذه النقلة تعني أن اقتصاد الحرب يصبح (اقتصاداً ظاهرياً) تديره النصوص القانونية والعقوبات الجنائية، وليس المرونة المالية خلاصة الدرس: في غياب وزارة عدل قوية، يمكن للتشريع أن يدير الانهيار، لكنه لا يستطيع إيقافه.

معلوم أن الحرب تدمر المصانع والطرق والموانئ والمباني، وهي أصول مادية مرئية. لكن ما يتبقى بعد ذلك هو الأصول (غير المادية) وهي أثمن من الذهب في أوقات الحروب، مثل: براءات الاختراع، التراخيص، العلامات التجارية، حقوق النشر، عقود الامتياز، والبيانات الرقمية هذه الأصول غير المادية هي التي ستعيد بناء الاقتصاد بعد الحرب، لأنها تمنح صاحبها حق استئناف النشاط فور توقف القتال دون حاجة إلى بدء من الصفر. وزارة المالية لا تولي هذه الأصول اهتماماً يُذكر، لأنها غير قابلة للتحصيل أو الجباية المباشرة. أما وزارة العدل، فمسؤوليتها الأساسية هي حماية هذه الأصول، وتسجيلها، والفصل في النزاعات حولها، ومنع نهبها.

اقتصاد ما بعد الحرب يُبنى على هذه الأصول غير المادية التي حافظت عليها وزارة العدل أثناء الحرب، وليس على الميزانيات التي أحرقتها وزارة المالية.

*ترتيب الأولويات: من يقود ومن ينفذ؟*

بناءً على ما تقدم، الترتيب الصحيح للمؤسسات القائدة لاقتصاد الحرب هو:

*أولاً* : وزارة العدل والأجهزة القانونية – تضع القواعد، تحمي الثقة، تضبط السوق، تؤمن الأصول، وتحمي تحويلات المغتربين.

*ثانياً* : وزارة العمل والتنمية الاجتماعية – تحشد الطاقات، توظف العاطلين، تحول النازحين إلى منتجين، وتضمن استمرارية الإنتاج.

*ثالثاً* : وزارة المالية والاقتصاد الوطني – تدير الميزانية، تطبع النقود، وتنظم ما أنتجه الآخرون وحماه القانون.

أما الاعتقاد السائد بأن وزارة المالية هي القائدة، فهو اعتقاد خاطئ. في زمن الحرب، تتحول المعادلة رأساً على عقب.

لذلك، يجب منح وزارة العدل قوة استثنائية، وقوانين طوارئ حازمة، وصلاحيات تنفيذية رادعة. ودعوا وزارة المالية تؤدي دورها التقليدي كمنفذ ومنظم.

عندها فقط، سينتصر الاقتصاد قبل الجيش، وسيخرج الوطن من الحرب بمؤسسات أقوى ومجتمع أكثر تماسكاً وإنتاجاً.

ومن يظن أن الحرب تُدار بالمال فقط، سيجده يخسر المال أولاً ومن يدرك أن الحرب تُدار بالقانون والعدالة والطاقات البشرية المعبأة، فسيخرج منها منتصراً.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.