*البعد الاخر* *د. مصعب برير* *من غصة الخروج إلى يقين الاعمار: كيف تصنع الهجرة وعي العودة وبناء الوطن*
*البعد الاخر*
*د مصعب بريــر*
*من غصّة الخروج إلى يقين الاعمار: كيف تصنع الهجرة وعي العودة وبناء الوطن؟*

هل يعيد التاريخ نفسه أم أننا نحن الذين نمر عبر بواباته المتكررة بحثاً عن إجابات قديمة لأسئلة جديدة؟ مع إطلالة العام الهجري الجديد ألف وأربعمائة وثمانية وأربعين، لا يبدو الاحتفاء مجرد جرد لسنوات مضت، بل وقفة تأمل عميقة أمام مشهد إنساني يتجدد باستمرار. الخروج من الديار، حزم الخيبات والآمال في حقيبة واحدة، والبحث عن أرض بكر تبدأ منها الحياة؛ تلك هي الحكاية التي بدأت قبل قرون في مكة، وتتكرر تفاصيلها اليوم في وجوه الملايين الذين يتقاسمون معنا الهوية والوجع.
القضية اليوم ليست مجرد تذكر لرحلة قطعها النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه الصديق ودليلهما بين شعاب الصحراء، بل هي قراءة في فلسفة “التحول” ذاتها. لقد كانت الهجرة النبوية إعلاناً صريحاً عن نهاية مرحلة الاستضعاف والمطاردة السرية التي استمرت ثلاثة عشر عاماً وسط عتاة مكة، وبداية لعهد جديد. لم يكن الخروج فراراً من المواجهة، بل كان إعادة تموضع ذكية، وانتقالاً مدروساً من مجتمع الغابة الذي يحكمه سلطان القوة والظلم والعبودية، إلى فضاء أرحب يتسع للإنسانية في أسمى معانيها من عدل ومساواة وإكرام للخلق.
لو فككنا هذا الحدث التاريخي لوجدنا أن النتيجة لم تكن مجرد تغيير في الجغرافيا من مكة إلى يثرب، بل كانت تحولاً بنيوياً في عقلية الإنسان المسلم. عندما اختار الخليفة العادل عمر بن الخطاب هذا الحدث تحديداً ليكون بداية التقويم، لم يكن يوثق لانتصار عسكري أو ولادة زعيم، بل كان يؤسس لولادة “الدولة والمؤسسة”. فالقرآن الذي نزل في المدينة جاء منظماً تفصيلياً لحياة المجتمع، محولاً طاقات الأفراد من مجرد الدفاع عن البقاء إلى بناء أول كيان سياسي واجتماعي منظم يقود المجتمعات البشرية على هدى الحقوق والواجبات.
هذا النموذج العملي في بناء الدول ليس غريباً على التجارب الدولية الحيثية؛ فالتاريخ يخبرنا أن الأمم التي تعرضت لهزات عنيفة وهجرات جماعية، كألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، لم تنهض مجدداً بالبكاء على الأطلال، بل بإعادة تنظيم الذات وإعلاء قيم التكافل العابر للقبيلة أو الحزب. في المدينة المنورة، تجسد هذا المفهوم في عبقرية “المؤاخاة” بين المهاجرين والأنصار، وهو نموذج تكافلي فريد تجاوز صلات الدم ليصنع شبكة أمان اجتماعي واقتصادي غير مسبوقة، غيرت وجه تلك الرقعة الجغرافية إلى الأبد.
حين نسقط هذه العبر العظيمة على واقعنا المعاش في السودان اليوم، نجد أنفسنا أمام مرآة صادمة وكاشفة. لقد وضعتنا الحرب اللعينة في مواجهة مباشرة مع قسوة النزوح واللجوء، وشتتت شمل العائلات داخل البلاد وخارجها. نعم، هي مأساة مروعة دفع ثمنها الأبرياء من أرواحهم واستقرارهم، ولكن، لعل في هذا البلاء الخفي منحة لا نراها الآن. لقد خلق الله الأرض واسعة وحثنا على السير فيها، بينما جاء المستعمر ليخط لنا حدوداً وجغرافيات ضيقة قيدت نظرتنا الشاملة لبلاد المسلمين، وحصرتنا في تصنيفات سياسية مصطنعة.
إن وجع النزوح السوداني الحالي، برغم مرارته، فتح لأهلنا نوافذ لارتياد جغرافيات وثقافات جديدة، تماماً كما فتحت الهجرة للمسلمين الأوائل آفاقاً واسعة أخرجتهم من ضيق جبال مكة إلى سهول الأرض الواسعة. لعلنا في ديار الغربة والنزوح نكسب اليوم عادات جديدة، وأساليب حياة مفيدة، وأخلاقيات تعاضدية تجعلنا أكثر مرونة وقدرة على قيادة المستقبل. فالنبؤة القديمة للمهاجرين بأنهم سيعودون إلى مكة وهم أكثر قوة، هي ذاتها اليقين الساكن في قلب كل سوداني يتوق للعودة وبناء وطنه على أسس من الرشد والصواب وإيقاف نزيف الدم.
بعد اخير:
خلاصة القول، قبل أن تنطوي هذه الذكرى، دعونا نرفع مستوى التفكير فوق تفاصيل المعاناة اليومية؛ الحرب ستضع أوزارها حتماً، والبلاد المدمرة يمكن إعمارها بجهد المخلصين، لكن المعركة الحقيقية هي معركة الوعي الذي سنعود به. إن الهجرة لم تكن يوماً مجرد هروب من الموت، بل كانت دائماً بحثاً عن أرض صالحة لصناعة الحياة.
وأخيرًا، الجغرافيا تصنعها السياسة وتغيرها الحروب، لكن الأوطان الحقيقية تبنى في عقول الرجال قبل أن تنهض على الأرض. لن نعود إلى ديارنا كما غادرناها، فإما أن نعود بعقلية البناء المستلهمة من دولة المدينة، أو سنبقى لاجئين في أوطاننا حتى لو توقفت المدافع.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
البُعد الآخر | مصعب بريــر
الأربعاء | 17 يونيو 2026م
musapbrear@gmail.com
