حوارات حول الأفكار (331)أديس.. حوار بلا وطن(3)حيدر معتصم
*حوارات حول الأفكار(231)*
*أديس..حوار بلا وطن (3)*
*الفرق بين الدولة والسلطة* *والحكومة*
*كيف ضاع المعنى السياسي* *في السودان؟*
د. حيدر معتصم مدني

إعداد وإشراف: مركز الخرطوم للحوار
من أخطر الأزمات المفاهيمية التي صاحبت التجربة السياسية السودانية منذ الاستقلال وحتى اليوم، حالة الخلط المستمرة بين:
الدولة،
والسلطة،
والحكومة.
وهو خلط لم يبقَ مجرد خطأ نظري في فهم المصطلحات، بل تحول مع الوقت إلى واحدة من أكبر أسباب الاضطراب السياسي والانقسام الوطني وإعادة إنتاج الأزمات في السودان.
لأن المجتمع الذي لا يميز بين الدولة والسلطة، يصبح فيه الصراع السياسي مهددًا لوجود الدولة نفسها.
وهنا تبدأ الكارثة.
فالدولة ليست هي الحكومة.
وليست هي الحزب الحاكم.
وليست هي الأشخاص الذين يجلسون على كراسي السلطة.
الدولة ـ في معناها العميق ـ هي:
الكيان الوطني الجامع الذي يقوم على:
الأرض،
والشعب،
والسيادة،
والمؤسسات،
والمرجعية الدستورية،
والذاكرة التاريخية،
والمصلحة الوطنية العليا.
أي أن الدولة كيان مستمر يتجاوز الحكومات والأحزاب والأشخاص.
أما الحكومة فهي مجرد جهاز تنفيذي مؤقت يُكلَّف بإدارة الدولة لفترة زمنية محددة.
وأما السلطة فهي القدرة على اتخاذ القرار وإنفاذه داخل الدولة عبر أدوات الحكم المختلفة.
لكن المشكلة في السودان أن هذه الحدود المفاهيمية انهارت بصورة شبه كاملة.
فأصبح الحزب الحاكم يتصرف وكأنه هو الدولة نفسها.
وأصبحت معارضة الحكومة تُقدَّم أحيانًا باعتبارها معارضة للدولة.
وفي المقابل أصبحت بعض القوى السياسية تتعامل مع إسقاط السلطة وكأنه إسقاط كامل لبنية الدولة ومؤسساتها.
وهنا ضاع الفارق بين:
الدولة بوصفها وطنًا مشتركًا،
والسلطة بوصفها موقعًا سياسيًا متغيرًا.
ولهذا دخل السودان في دائرة خطيرة جدًا:
كل انتقال سياسي يتحول إلى معركة وجودية.
لأن القوى السياسية لا تتعامل مع السلطة باعتبارها وظيفة مؤقتة داخل الدولة، وإنما باعتبارها:
امتلاكًا للدولة نفسها.
ومن هنا أصبحت كل جماعة تصل إلى السلطة تحاول:
إعادة تعريف الدولة،
وإعادة تشكيل المؤسسات،
وإقصاء الخصوم،
وإعادة صياغة المجال العام وفق رؤيتها الخاصة.
وكأن الدولة تبدأ من لحظة وصولها للحكم.
ولهذا لم تتراكم التجربة الوطنية السودانية بصورة طبيعية.
لأن الدولة ظلت في كثير من الأحيان رهينة للصراع على السلطة.
ومن أخطر نتائج هذا الخلط أيضًا أن مؤسسات الدولة نفسها فقدت معناها المهني والقومي.
فبدل أن تُدار باعتبارها مؤسسات وطنية دائمة تخدم المجتمع كله، أصبحت تُعامل أحيانًا باعتبارها أدوات تابعة للسلطة السياسية.
وهنا تضعف فكرة الدولة لصالح فكرة الجماعة الحاكمة.
ولهذا فإن واحدة من أهم شروط الاستقرار السياسي في أي دولة هي:
وجود فصل واضح بين:
الدولة…
والسلطة…
والحكومة.
بحيث تبقى الدولة ثابتة،
وتتغير الحكومات،
ويتداول السياسيون السلطة،
دون أن يتحول ذلك إلى تهديد لكيان الوطن نفسه.
لكن لأن السودان لم يُنجز تأسيسه الوطني بصورة مكتملة، فقد بقيت فكرة الدولة نفسها هشة داخل الوعي السياسي.
ولهذا يسهل دائمًا:
خلط الوطن بالحكومة،
والسلطة بالدولة،
والمعارضة بالخيانة،
والتغيير السياسي بالانهيار الوطني.
ومن هنا يمكن فهم لماذا تتحول الأزمات السياسية في السودان بسرعة إلى:
أزمات أمن قومي،
أو صراعات اجتماعية،
أو حروب وجودية.
لأن المجال السياسي يتحرك في غياب حدود واضحة بين المفاهيم الكبرى.
ولذلك فإن بناء الدولة الحديثة لا يبدأ فقط بإنشاء المؤسسات، وإنما يبدأ أولًا ببناء الوعي بالمفاهيم.
لأن المفاهيم ليست ترفًا فكريًا.
بل هي التي تحدد:
كيف يرى المجتمع الدولة،
وكيف يفهم السلطة،
وكيف يمارس السياسة.
والمجتمعات التي تفقد وضوح المفاهيم، تتحول فيها السياسة إلى حالة دائمة من الفوضى وإعادة التعريف المستمر.
ولهذا فإن السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى إصلاح سياسي، وإنما يحتاج أيضًا إلى:
إعادة بناء الوعي الوطني بالمفاهيم الأساسية للدولة الحديثة.
حتى يدرك الناس أن:
الحكومة يمكن أن تسقط…
لكن الدولة يجب أن تبقى.
وأن السلطة يمكن أن تتغير…
لكن الوطن لا ينبغي أن يتحول في كل مرة إلى ساحة حرب جديدة.
لأن الدولة التي ترتبط بالأشخاص أو الأحزاب لا تتحول إلى وطن…
بل تتحول إلى غنيمة مؤقتة في صراع طويل على السيطرة.
أما الدولة الحقيقية…
فهي التي تبقى فوق الجميع.
وتبقى ملكًا للجميع.
