منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

زاوية خاصة نايلة علي محمد الخليفة راتبي لا يشتري أنبوبة غاز

0

زاوية خاصة

نايلة علي محمد الخليفة

راتبي لا يشتري أنبوبة غاز

استأجر والدي راعياً لأغنامه براتب 300 ألف جنيه في الشهر ، وبعد فترة بدأ الراعي يطالب بزيادة أجره بحجة غلاء المعيشة ، وهو طلب يبدو منطقياً في ظل الارتفاع المتسارع والجنوني للأسعار ، وبينما كان الحديث دائراً حول هذا الموضوع ، سأل والدي شقيقتي ، وهي معلمة بالدرجة الثامنة في سلك التعليم ، راتبك كم يابت فأجابته: 60 ألف جنيه ، عندها قالت وهي تضحك : فك الراعي واديني الـ300 ألف… بسرح ليك أحسن من التدريس.
لم تكن تلك القصة نكتة للضحك والتسلية ، بل كانت إعلاناً صريحاً عن واقع مؤلم يعيشه معلمو بلادي ، وهي كذلك ليست انتقاصاً من مهنة الراعي ، فكل عمل شريف يستحق التقدير ، وإنما تكشف المفارقة التي وصل إليها حال المعلم في السودان ، سنوات من الدراسة والتأهيل ورسالة سامية ، ثم راتب لا يوازي حتى جزءاً من أجور كثير من المهن الأخرى ، لهذا لم يكن مستغرباً أن ينتشر مقطع فيديو لمعلم يخاطب وزير المالية قائلاً إن راتبه الشهري 87 ألف جنيه ، بينما يبلغ سعر أنبوبة الغاز 110 آلاف جنيه ، لم يكن الرجل يبحث عن تعاطف ، ولم يكن يطلب امتيازاً خاصاً ، بل كان يضع أمام المسؤولين حقيقة لا تحتاج إلى شرح مستفيض ، راتب شهر كامل لا يكفي لشراء سلعة أساسية.

هذه ليست أزمة معلمين وحدهم ، بل أزمة في إدارة الأجور وتوزيعها بالعدل ، فعندما تصبح الرواتب بعيدة عن الواقع الاقتصادي ، يفقد العمل قيمته ، ويفقد الموظف شعوره بالأمان ، وتتحول الوظيفة العامة إلى عبء بدلاً من أن تكون وسيلة للعيش الكريم.
والأخطر من ذلك أن المعلم ليس موظفاً عادياً إنه من يصنع الطبيب والمهندس والقاضي والوزير ، فإذا كان هو نفسه عاجزاً عن توفير احتياجات أسرته ، فكيف نطالبه بأن يؤدي رسالته بأفضل صورة ، وكيف نتحدث عن إصلاح التعليم بينما معلموه يعيشون تحت ضغط الحاجة ،
إن زيادة الرواتب وحدها ليست الحل إذا ظلت الأسعار تسبقها كل يوم ، لكن ما لا يمكن قبوله هو أن يبقى العاملون في الدولة ، وعلى رأسهم المعلمون ، أسرى لرواتب فقدت قيمتها تماماً ، فلا بد من مراجعة حقيقية لهيكل الأجور وربطه بمعدلات التضخم ، حتى لا تتحول المرتبات إلى أرقام لا تعني شيئاً في سوق يلتهمها قبل أن تصل إلى أصحابها ، عندما قالت شقيقتي لوالدي ، اديني مرتب الراعي كانت تختصر وجع آلاف المعلمين ، وعندما قال المعلم لوزير المالية ، راتبي لا يشتري أنبوبة غاز كان يختصر وجع الخدمة المدنية كلها.

القضية لم تعد أنبوبة غاز ، وإنما كرامة إنسان ، وقيمة مهنة ، ورسالة وطن لا ينبغي أن يُترك حَمَلَتها يواجهون الغلاء وحدهم… لنا عودة.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.