منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

إحياء الحركة التعاونية في السودان (4) هل التعاونيات عبء على الدولة أم استثمار في الاقتصاد؟ قراءة في تجارب الدول الناجحة بقلم: المستشار عبدالكريم جعفر الحسن

0

إحياء الحركة التعاونية في السودان (4)
هل التعاونيات عبء على الدولة أم استثمار في الاقتصاد؟
قراءة في تجارب الدول الناجحة
بقلم: المستشار عبدالكريم جعفر الحسن

بعد أن تناولنا في المقالات السابقة أهمية الحركة التعاونية، ثم استعرضنا دور التعاونيات الزراعية في دعم المنتج من خلال تجربة الفلبين، والتعاونيات الاستهلاكية في حماية المستهلك من خلال تجربة الهند، يبرز سؤال يتكرر كثيرًا عند الحديث عن التعاونيات:
لماذا تحظى التعاونيات في كثير من دول العالم بدعم حكومي، بينما لا تحظى الشركات الخاصة بالمستوى نفسه من الدعم؟
وهل يعني ذلك أن التعاونيات مؤسسات ضعيفة لا تستطيع الاستمرار إلا بمساندة الدولة؟
إن الإجابة ليست بهذه البساطة.
فالجمعية التعاونية ليست مؤسسة خيرية، وليست جهة حكومية، وليست شركة مساهمة تقليدية، وإنما هي مؤسسة اقتصادية يملكها أعضاؤها، ويهدف نشاطها إلى تحقيق منفعة اقتصادية واجتماعية لهم، وفي الوقت نفسه تحقق منفعة عامة للمجتمع من خلال زيادة الإنتاج، واستقرار الأسواق، وخلق فرص العمل، وتعزيز الأمن الغذائي.ولهذا السبب، تنظر كثير من الحكومات إلى التعاونيات باعتبارها شريكًا في التنمية، لا عبئًا على الميزانية.
من دفتر الرحلات
اوروبا… عندما أصبح دعم التعاونيات استثمارًا في الاقتصاد
خلال زياراتي لعدد من الدول الأوروبية ، لفت انتباهي المكانة التي تحظى بها التعاونيات الزراعية والتسويقية داخل الاقتصاد الوطني.ولم يكن الدعم الذي تقدمه الحكومات لهذه التعاونيات عبارة عن منح مالية مفتوحة، بل كان يتركز في تهيئة البيئة التي تساعدها على النجاح والاستمرار.ففي كثير من الحالات، تحصل التعاونيات على تسهيلات في الحصول على الأراضي، أو التمويل، أو الخدمات الإرشادية، أو برامج التدريب، كما تستفيد من أنظمة تسويقية وتشريعات تساعد المنتجين على الوصول إلى الأسواق بكفاءة أعلى.وفي بعض القطاعات الزراعية، تتعاون الدولة مع الاتحادات التعاونية في تنظيم الإنتاج، وتحسين الجودة، وفتح أسواق التصدير، بما يسهم في تحقيق التوازن بين العرض والطلب، ويحافظ على استقرار الأسعار ويحمي المنتج والمستهلك في آن واحد.وقد أدركت من خلال تلك التجارب أن الحكومات لا تدعم التعاونيات لأنها عاجزة، وإنما لأنها تؤدي أدوارًا يصعب على المؤسسات الفردية القيام بها وحدها، خاصة عندما يتعلق الأمر بخدمة آلاف المنتجين أو المستهلكين.
ماذا نتعلم للسودان؟
ان التحدي الحقيقي في السودان ليس غياب التعاونيات، وإنما غياب البيئة التي تساعدها على النجاح.ولذلك فإن الدعم المطلوب لا ينبغي أن يكون مجرد منح مالية، بل يجب أن يكون دعمًا مؤسسيًا يقوم على:
* إصدار تشريعات حديثة تحمي استقلالية التعاونيات.
* تسهيل تخصيص الأراضي لإقامة المخازن ومراكز التجميع ومنافذ البيع.
* توفير التمويل الميسر للمشروعات الإنتاجية.
* إعفاء مدخلات الإنتاج والآلات والمعدات التعاونية من بعض الرسوم والضرائب التي تعيق نموها.
* دعم برامج التدريب وبناء القدرات.
* تشجيع التعاقد المباشر بين التعاونيات والمنتجين والمصانع.
* دعم إنشاء مراكز للتعبئة والتبريد والتخزين والتصنيع.
إن هذا النوع من الدعم لا يصنع مؤسسات اتكالية، بل يساعدها على الوقوف على قدميها، حتى تصبح قادرة على المنافسة وتحقيق الاستدامة.
بين الدعم والاتكالية
هناك فرق كبير بين الدعم التنموي والاتكالية.
فالدعم التنموي يهدف إلى بناء مؤسسة قوية تستطيع بعد سنوات أن تعتمد على نفسها، بينما الاتكالية تجعل المؤسسة تنتظر الإعانات في كل موسم، دون تطوير لقدراتها أو تحسين لإدارتها.ومن هنا، فإن نجاح أي جمعية تعاونية ينبغي أن يقاس بقدرتها على تقليل اعتمادها على الدعم الحكومي مع مرور الوقت، وزيادة اعتمادها على كفاءة إدارتها، وثقة أعضائها، وقوة أنشطتها الاقتصادية.
رسالة إلى صانع القرار
إذا أرادت الدولة أن تجعل التعاونيات رافدًا حقيقيًا للاقتصاد الوطني، فإن عليها أن تنظر إليها باعتبارها شريكًا في التنمية، لا جهة تطلب المساعدات.
وأقترح في هذا الإطار ما يلي:
1. إعداد إستراتيجية وطنية للنهوض بالحركة التعاونية.
2. مراجعة التشريعات بما يواكب أفضل الممارسات العالمية.
3. إنشاء صندوق وطني لتمويل المشروعات التعاونية الإنتاجية.
4. تقديم حوافز ضريبية وجمركية مرتبطة بالإنتاج الحقيقي.
5. تشجيع الشراكات بين التعاونيات والقطاع الخاص والجامعات ومراكز البحوث.
6. إنشاء هيئة وطنية للتدريب والتطوير التعاوني.
كلمة أخيرة
إن التجارب العالمية تؤكد أن التعاونيات ليست عبئًا على الاقتصاد، بل أحد محركاته الأساسية عندما تُدار بكفاءة.والسودان، بما يملكه من موارد طبيعية وبشرية، قادر على بناء حركة تعاونية حديثة تسهم في زيادة الإنتاج، وتحقيق الأمن الغذائي، واستقرار الأسواق، ورفع مستوى معيشة المواطنين.لكن ذلك لن يتحقق بالدعم المالي وحده، وإنما ببناء مؤسسات قوية، وإدارة مهنية، وتشريعات عادلة، وثقافة تؤمن بأن العمل الجماعي المنظم هو الطريق الأقصر إلى التنمية المستدامة.
“الدولة التي تستثمر في التعاونيات لا تنفق على مؤسسات، بل تستثمر في الإنسان والإنتاج والاستقرار.”
المستشار عبدالكريم جعفر الحسن
خبير في المشاريع التنموية والتنمية المستدامة
abdulkarim.jalhassan@gmail.com

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.