منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

البعد_الاخر مصعب بريــر رائحة مدينة تتنفس: حكاية القضارف حين قررت ألا تستسلم ..!

0

البعد_الاخر
مصعب بريــر
رائحة مدينة تتنفس: حكاية القضارف حين قررت ألا تستسلم ..!

تخيّل معي شارعاً في القضارف، في عز الظهيرة، حين تكون الشمس عمودية لا ترحم. الأسواق، الخيران،الميادين، الشوارع والأزقة الضيقة تختنق بأكوام لا تُحصى من النفايات، وأمّ تمسك بيد طفلها وتُغيّر مسارها فجأة، لا لشيء إلا لتتجنّب كومة نفايات تحاصر الرصيف. رائحة حادة تُخالط هواء المدينة العتيقة، تلك التي وُلدت قبل أكثر من سبعين عاماً وشهدت أزمنة أهدأ بكثير.

المدينة، التي كانت يوماً تعرف إيقاعها الهادئ، وجدت نفسها فجأة تستقبل موجات بشرية لم تكن تتوقعها، حتى تضخّم عدد سكانها إلى ما يقارب ثلاثة ملايين ونصف. كل بيت جديد، كل خيمة، كل عائلة نازحة، كانت تحمل معها احتياجاً صامتاً لم يسأله أحد بصوت عالٍ: من سيحمل عبء ما تُخلّفه هذه الحياة المتكدسة؟ من سيرى الكومة المتراكمة عند باب المستشفى، ويسأل: وماذا عن تلك الأكياس التي قد تحمل عدوى لا تُرى بالعين المجردة؟

كان السؤال معلّقاً في الهواء كغبار لا يستقر: هل تنهار مدينة تحت وطأة ما لا تستطيع أن تحتويه؟ أم أن في داخلها، رغم كل شيء، بقيّة إرادة تنتظر من يوقظها؟

من رحم ذلك القلق اليومي، لم يخرج صوت من مختبر زجاجي بارد كما تخيّلنا في حكايات أخرى، بل خرج من اجتماعات إدارية متعبة، ومن أوراق سياسات كُتبت على عجل بين انقطاعات الكهرباء. جاء الصوت هذه المرة على هيئة فكرة بسيطة، تكاد تكون بديهية، لكنها كانت غائبة: أن تُدار النفايات كمنظومة متكاملة لا كأزمة يومية تُطفأ نيرانها بالصدفة.

دخل المشهد استشاري متخصص، ومعه فريق آمن بأن الحل ليس شاحنات أكبر ولا عمالاً أكثر فحسب، بل نظاماً كاملاً: قانون يُلزم، وهيكل إداري يستقل بقراره المالي، وابتكار في وسائل النقل يناسب أزقة المدينة الضيقة لا شوارع العواصم الواسعة.

تخيّل فريق العمل في الأشهر الأولى، يقف أمام خرائط المدينة مُقسّمة بالدبابيس، يحاول أن يفهم كيف يصل إلى حيّ ازدحم فجأة بالنازحين، حيث لا تدخل الشاحنة الثقيلة، ولا يكفي حاوية واحدة وسط هذا الطوفان البشري.

جاءت فكرة “التكاتك” – تلك المركبات الصغيرة الثلاثية العجلات – كحلٍّ يكاد يبدو هامشياً في البداية، تجربة استرشادية لا أكثر. من كان سيصدّق أن مركبة صغيرة، رشيقة، قادرة على المناورة بين الأزقة الضيقة والأسواق المزدحمة، ستكون هي حجر الأساس لتحول كامل؟ وفي جانب آخر من المدينة، كان التحدي أكثر إلحاحاً وصمتاً: أكثر من خمسمئة مؤسسة صحية تُنتج نفايات طبية خطرة، بلا نظام موحّد يحميها من نفسها. كيف تفرز كومة أكياس ملونة وسط فوضى الحرب؟ من يضمن ألا تختلط النفايات “الحمراء” الخطرة بغيرها؟

كانت كل خطوة تُختبر في الميدان، لا على الورق: عامل نظافة يرتدي لأول مرة قفازات وقاية حقيقية، ومراقب يقف عند حاوية جديدة يسجّل هل قلّ الرمي العشوائي أم لا. لحظات إحباط كثيرة، وأخرى كانت بمثابة الفجر الأول حين بدأت الأرقام تتحرك في الاتجاه الصحيح.

وفي لحظة الانفراج، حين توقفت الكومة عن النمو وبدأ الشارع يستعيد وجهه، تختصر الورقة العلمية التى قدمتها ولاية القضارف بمنتدى جامعة الجزيرة الاربعاء الماضى جوهر ما حدث في عبارة تكاد تكون إعلان انتصار هادئ: أن المشروع نجح في أن “تتحول المدينة إلى أنظف مدينة بالسودان عبر تفعيل الحوكمة، والابتكار اللوجستي، والعدالة الاجتماعية للعاملين”.

جملة بسيطة، لكنها تحمل ثقل سنوات من القلق الذي بدأنا به الحكاية.

بعد اخير:

خلاصة القول، تخيّل الآن، بعد أشهر قليلة، ذلك الطفل نفسه الذي غيّرت أمه مساره ذات ظهيرة حارة. يمشي اليوم في الشارع ذاته، لكن الرصيف صار خالياً، وحاوية نظيفة تقف عند الزاوية تنتظر موعدها المحدد. عامل النظافة الذي كان بالأمس مجهولاً، يمرّ اليوم بزيّه الواقي، وقد صار جزءاً من نسيج المدينة لا هامشاً منسياً فيها.

أخيرًا، لا أحد يعرف بعد إلى أين ستمضي القضارف في السنوات القادمة، ولا كم مدينة أخرى، منهكة بحربها أو بأزمتها، ستنظر إلى هذه التجربة وتهمس لنفسها: ربما يمكننا نحن أيضاً أن نبدأ من حاوية واحدة، ومن قانون واحد، ومن قرار ألا نستسلم لرائحة اليأس.

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.

ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

البُعد_الآخر | مصعب بريــر

musapbrear@gmail.com

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.