مشكلة الكهرباء… انهيار ثقافة السلامة وضعف الكفاءة الإدارية والفنية د. الفاتح الشيخ
مشكلة الكهرباء… انهيار ثقافة السلامة وضعف الكفاءة الإدارية والفنية
د. الفاتح الشيخ
1. لم يكن الحادث الأخير الذي أصاب كهرباء سد مروي مجرد عطل فني عابر، كما أنه لا ينبغي أن يتحول إلى مادة للتصنيف السياسي أو الصراع حول انتماءات المسؤولين. فالحوادث التي تقع في المرافق الإستراتيجية تكشف عادة عن خلل أعمق من الحادث نفسه، خلل يتعلق بطريقة إدارة المؤسسة، وثقافة العمل داخلها، ومدى الالتزام بمعايير السلامة والكفاءة.
2 . ولا شك أن الحرب ألقت بظلالها على قطاع الكهرباء، غير أن القصور الإداري يظل الخطر الأكبر، لأن المؤسسات الناجحة لا تُقاس بغياب الأزمات، وإنما بقدرتها على إدارتها والحد من آثارها، وتحويل التجارب السابقة إلى إجراءات تمنع تكرار الأخطاء.
3. وأول سؤال ينبغي أن يسبق كل التصنيفات السياسية هو: هل كانت منظومة السلامة تعمل بالصورة المطلوبة؟ فالمشكلة لا تتعلق بهذا الحادث وحده، وإنما بثقافة سلامة ما زالت ضعيفة في كثير من مؤسساتنا. ففي أحيان كثيرة يُنظر إلى مسؤول السلامة باعتباره عبئاً إدارياً، وتُعامل إجراءات السلامة على أنها تعطيل لسير العمل، بينما الحقيقة أنها تمثل خط الدفاع الأول عن الأرواح والمنشآت.
4. ولهذا فإن أي تحقيق مهني يجب أن يبدأ من منظومة السلامة نفسها: هل كانت إجراءات السلامة مطبقة؟ وهل كان مسؤول السلامة موجوداً وممارساً لدوره؟ فالمقصود من التحقيق ليس البحث عن شخص يتحمل اللوم، وإنما تحديد موضع الخلل داخل سلسلة المسؤوليات حتى لا يتكرر الخطأ، واستخلاص الدروس التي تمنع تكراره مستقبلاً.
5. لكن جوهر الأزمة لا يقف عند حدود السلامة، وإنما يمتد إلى الكفاءة الإدارية والفنية. فإدارة قطاع الكهرباء تحتاج إلى قيادات متخصصة، وإلى توزيع واضح للمسؤوليات، وإلى هياكل تنظيمية تضمن التخصص، وتمنع تداخل الاختصاصات في قطاع يعتمد على الدقة وسرعة اتخاذ القرار.
6. ومن أبرز مظاهر ضعف الكفاءة الإدارية والفنية أن إدارة التوليد المائي، وهي من أهم إدارات قطاع الكهرباء، لا يشرف عليها مدير متفرغ ومتخصص، وإنما أُسندت بالتكليف إلى مدير التوليد الحراري. وهذا الوضع لا ينسجم مع حجم المسؤوليات ولا مع طبيعة القطاعين، فلكل منهما تحدياته الفنية والتشغيلية، ويحتاج كل منهما إلى قيادة مستقلة ومتفرغة. ومن هنا فإن القضية لا تتعلق بكفاءة الشخص المكلف وحده، وإنما بسلامة القرار الإداري الذي جمع هذين الملفين في إدارة واحدة، وهو قرار تتحمل مسؤوليته الجهة التي اعتمدت هذا الهيكل الإداري.
7. ويزداد هذا التساؤل أهمية عندما تتكرر الأعطال في الرقعة الجغرافية نفسها. فالتكرار لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مصادفة، وإنما باعتباره مؤشراً يستوجب المراجعة والتقييم. وكان من الواجب أن تقود الحوادث السابقة إلى مراجعة شاملة لإجراءات السلامة والصيانة وإدارة المخاطر، حتى لا تتكرر الأزمة مرة أخرى.
8. ومن هنا فإن المسؤولية تبدأ من وزارة الطاقة، باعتبارها الجهة التي تعتمد الهياكل الإدارية، وتقر التعيينات والتكليفات، وتتابع أداء قطاع الكهرباء، وتقع عليها مسؤولية المراجعة والتصحيح عندما تتكرر مؤشرات الخلل. فاختيار القيادات، واستكمال الوظائف المتخصصة، ومراجعة أنظمة السلامة، وبناء منظومة رقابة فعالة، كلها مسؤوليات لا تقع على عاتق الإدارات التنفيذية وحدها، وإنما تبدأ من مستوى الوزارة.
9. ولا تكتمل الصورة دون الحديث عن الجاهزية الفنية. فالمرافق الحيوية لا تُدار بردود الأفعال، وإنما تحتاج إلى تخطيط مسبق، وبرامج صيانة دورية، ومخزون إستراتيجي من قطع الغيار والمعدات الأساسية. ولذلك فإن السؤال لا ينبغي أن يكون: هل المشكلة نقص في الموارد فقط؟ بل أيضاً: هل هناك قصور في التخطيط وإدارة الأولويات؟
10. إن الحرب والضغوط الاقتصادية قد تعرقل توفير بعض الاحتياجات، لكنها لا تعفي الإدارة من مسؤولية الاستعداد، ووضع البدائل، وتقليل زمن الأعطال، والاستفادة من التجارب السابقة في بناء منظومة أكثر قدرة على مواجهة الأزمات.
11 . إن مشكلة الكهرباء في السودان ليست مشكلة حادث منفرد، ولا مشكلة شخص بعينه، وإنما مشكلة منظومة تحتاج إلى مراجعة شاملة. فحماية هذا القطاع الحيوي تبدأ بترسيخ ثقافة السلامة، ورفع مستوى الكفاءة الإدارية والفنية، واستكمال الهياكل المتخصصة، وتحديد المسؤوليات بوضوح، حتى لا تتحول الأخطاء المتوقعة إلى كوارث كان يمكن تجنبها. فالكهرباء لا يحميها فقط إصلاح الأعطال، بل تحميها قبل ذلك إدارة كفؤة، وثقافة سلامة راسخة، ومؤسسات تتعلم من أخطائها قبل أن تدفع ثمنها.
