مواقف تدون للتاريخ ================ كتب/ حسن البصير
مواقف تدون للتاريخ
================
*كتب/ حسن البصير*

▪️في حرب السودان، ليست البطولات وحدها ما يُروى، بل إن للدموع حكاياتها أيضاً؛ دموعٌ لا تُفصح عن ضعف، وإنما تفضح عِظم الجرح، وتكشف عن معدن شعبٍ أنهكته الحرب، لكنه لم ينكسر. فى مساحة اليوم أحكى عن قصة لتدون للتاريخ عن بسالة و صمود شعبنا في معركة الكرامة كنت شاهدا عليها
▪️و هي عندما كنا نجهز المستنفرين قبل تحرير الجزيرة و تضج ساحة المقاومة الشعبية بالقضارف بالشباب المقاتل المتحرك لخط المواجهة و كان الجميع منشغلاً بإلاعداد للتحرك و كانت الهمم عالية، والوجوه مشدودة، والقلوب معلقة بنداء الوطن دخل علينا شيخٌ تجاوز السبعين من عمره. كان يتوكأ على عصاه، يلهث من شدة التعب، وقد اشتعل رأسه شيباً، وبدت على ملامحه آثار السنين والإعياء حتى خُيّل إلينا أنه بالكاد يقوى على الوقوف ، لكنه رغم وهن الجسد، جمع ما تبقى له من قوة، واستقام واقفاً في وضع «انتباه»، وضرب الأرض بقدمه، ثم قال بصوت متهدج، لكنه ثابت: «لقد حضرت، وجاهز للتحرك».
▪️كان المشهد أكبر من أن تحتمله العين. حاولت أن أرفع معنوياته، فقلت له: «جزاك الله خيراً يا والدنا، أبناؤك المستنفرون سبقوك، واكتمل العدد». لكنه لم يقتنع. قلت له : إن المواقع الأمامية تحتاج إلى الشباب، وإننا سنستعين به في الارتكازات الداخلية، لعل ذلك يخفف عنه مشقة الطريق .
عندها جلس الشيخ على الأرض، وانهمرت دموعه كما ينهمر المطر بعد طول احتباس. بكى بقهرٍ يشبه بكاء الأطفال، ثم قال كلمةً ما زالت أصداؤها تضرب في القلب : يا ولدي، أنا ماشي آخد حقي وأجيب تاري.
قلت له: نحن نجيب لك حقك يا أبوي .
فرد بمرارةٍ تقطر ألماً: حقي داير أجيبه بيدي . ثم كشف عن ظهره، فإذا الجسد العجوز يحمل شهادةً حية على ما جرى. جراحٌ غائرة، وآثار سياط لم تندمل بعد، وندوبٌ تركها الظلم على جلد رجلٍ كان ينبغي أن يقضي شيخوخته بين أهله آمناً مطمئناً.
قال: نحن من قرية بالجزيرة. دخل علينا الجنجويد، فنهبوا قوتنا ومتاعنا، وحين حاولوا اقتحام مكان النساء، وقفت بينهم وبينهن، فضربني أحدهم حتى سال دمي . ثم ماتت زوجتي في طريق النزوح، بعدما هُجّرنا قسراً من ديارنا.
▪️لم أتمالك نفسي. بكيت معه واحتضنته. جاء أحد الزملاء يسأل عن سبب بكائنا، فلما رأى ظهر الشيخ، لم يتمالك هو الآخر نفسه، وانهمرت دموعه معنا. عندها شعرت بثقل المشهد، وتمنيت لو أنني لم أكشف أمامه ذلك الظهر الملتهب، لأنه لم يكن ظهر رجلٍ واحد، بل كان صفحةً مفتوحة من صفحات مأساة السودان.
▪️إن دموع الرجال، حين تنهمر من أعينٍ اعتادت الصبر، لا تكون أمراً عابراً. إنها رسالة تختصر وجعاً تعجز الخطب عن حمله، وتقول إن وراء كل جرح حكاية، ووراء كل نازح بيتٌ اقتُلع، ووراء كل أم ثكلى وأسرة مشردة وطنٌ ينتظر أن يستعيد أمنه وسكينته.
لكنها ليست دعوة إلى البكاء وشق الجيوب، وإنما دعوة إلى العمل، وإلى بذل الجهد والعرق والمال في سبيل حماية الناس وإغاثة المتضررين ودعم ما يحفظ أمن السودان وكرامة أهله. فكم من شابٍ جاء مستعداً للبذل، وكم من رجلٍ أراد أن يقدم ما يستطيع، ثم وقف عاجزاً لأن الوسيلة غائبة أو الحاجة أكبر من الإمكانات.
▪️ومن هنا، فإن المسؤولية لا تقع على من يحمل السلاح وحده؛ فهناك من يستطيع أن يسهم بماله، وآخر بعربته أو شاحنته، وثالث بإغاثة أسرة نزحت من ديارها، ورابع بكلمةٍ تداوي جرحاً أو يدٍ تمتد إلى محتاج. فالأوطان لا تُبنى بالبندقية وحدها، وإنما تتماسك بتكاتف أهلها، وبإغاثة ضعيفها، وصون كرامة إنسانها،
ذلك الشيخ لم يكن يبحث عن مجدٍ شخصي، ولا عن تصفيقٍ عابر؛ كان يحمل في جسده جراح بيته، وفي عينيه صورة زوجةٍ رحلت في طريق النزوح، وفي قلبه وجع أرضٍ اقتُلع منها قسراً. وحين قال: «حقي داير أجيبه بيدي»، لم تكن تلك الكلمات مجرد غضبة شيخٍ مسن، بل كانت صرخة إنسانٍ أنهكته المظالم ، ولعل أبلغ ما في حكايته أن الشيخ الذي أضعفته السنون، لم يستطع أن يقف طويلاً على قدميه، لكنه وقف شامخاً في وجه الذاكرة. سالت دموعه، ولم يسقط؛ انحنى جسده، ولم تنحنِ كرامته. فبعض الدموع لا تعني الانكسار، بل تشهد أن في هذا الشعب قلباً ما زال ينبض بالشهامة و الكرامة
