سنا الحقيقه حين تضيق سُبل العيش… يصبح إنقاذ الاقتصاد أولوية وطنية د/أميرة كمال مصطفى
سنا الحقيقه
حين تضيق سُبل العيش… يصبح إنقاذ الاقتصاد أولوية وطنية
د/أميرة كمال مصطفى
المعيشة الكريمة مطلباً اقتصادياً وليس ذلك فحسب هى أساس الاستقرار الاجتماعي وكرامة الإنسان.
تظل الأوضاع المعيشية للمواطن السوداني واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد حيث لم تعد الأزمة مرتبطة بارتفاع أسعار السلع وحده وإنما امتدت لتشمل تراجع القدرة الشرائية وضعف مصادر الدخل وصعوبة الحصول على الخدمات الأساسية وتزايد الأعباء التي تتحملها الأسر في تدبير احتياجاتها اليومية.
وجوهر الأزمة المعيشية في السودان أعمق من مجرد اختلال في الأسعار فهي انعكاس لأزمة اقتصادية وإنتاجية ومؤسسية متراكمة تفاقمت بفعل الحرب وتداعياتها على النشاط الاقتصادي وحركة التجارة، وسلاسل الإمداد وفرص العمل والبنية التحتية والخدمات.
ومن هنا فإن معالجة الأزمة تتطلب الانتقال من الحلول الجزئية والمؤقتة إلى رؤية اقتصادية شاملة تضع الإنسان في مركز السياسات العامة وتتعامل مع المعيشة باعتبارها أولوية وطنية لا تحتمل التأجيل.
أولاً: من إدارة الغلاء إلى معالجة جذور الأزمة
فمواجهة ارتفاع الأسعار لا تتحقق بالقرارات الإدارية لوحدها وإنما تتطلب معالجة الأسباب التي تدفع نحو استمرار الاختلالات الاقتصادية وفي مقدمتها ضعف الإنتاج وتكاليف النقل واضطراب سلاسل التوريد وتعدد الرسوم واختلال الأسواق
وتراجع قيمة العملة الوطنية.
كما أن الرقابة على الأسواق وضبط الممارسات الاحتكارية وتعزيز المنافسة والشفافية تمثل إجراءات ضرورية لحماية المستهلك شريطة أن تكون جزءاً من سياسة اقتصادية متكاملة لا أن تكون استجابات مؤقتة.
ثانياً: الإنتاج هو الطريق الأكثر استدامة لتحسين المعيشة
يمتلك السودان موارد زراعية وحيوانية ومعدنية ومائية وبشرية واسعة غير أن قيمة هذه الموارد لا تتحقق بانها موجودهفق بقدر ما قيمتها بحسن وتوظيفها في دورة إنتاجية متكاملة.
إعادة الاعتبار للقطاع الزراعي ودعم صغار المنتجين والمزارعين وتطوير الصناعات التحويلية والوطنية وتحسين البنية التحتية للنقل والتخزين وتنظيم قطاع التعدين كلها مسارات يمكن أن تسهم في توسيع فرص العمل وزيادة المعروض من السلع وتعزيز الإيرادات الوطنية.
فالدولة التي تريد تخفيف أعباء المعيشة بصورة مستدامة لا بد أن تجعل الإنتاج أساساً لسياساتها الاقتصادية لا أن تكتفي بمعالجة نتائج الاختلالات بعد وقوعها.
ثالثاً: العدالة في توزيع الأعباء وحماية الفئات الأكثر تأثراً
لا يمكن الحديث عن إصلاح اقتصادي حقيقي دون مراعاة الفوارق الاجتماعية والجغرافية بين المواطنين. فالأسر محدودة الدخل والنازحون والنساء المعيلات والأطفال وكبار السن والفئات التي فقدت مصادر رزقها تحتاج إلى سياسات حماية اجتماعية واضحة وفعالة.
ويجب أن تصل برامج الدعم إلى مستحقيها وفق معايير شفافة مع الاهتمام بتوفير الخدمات الصحية والتعليمية والمياه والكهرباء وعدم ترك المواطن وحده في مواجهة أعباء تتجاوز قدرته على الاحتمال.
رابعاً: الإدارة الرشيدة والشفافية شرط لاستعادة الثقة
فالموارد مهما عظمت لا تصنع نهضة اقتصادية في غياب الإدارة الكفؤة. ولذلك تبرز أهمية مراجعة أولويات الإنفاق العام، وترشيد المصروفات ومكافحة الفساد وتعزيز الشفافية والمساءلة وتوجيه الموارد نحو القطاعات الأكثر ارتباطاً بحياة المواطنين.
كما أن وجود معلومات اقتصادية دقيقة ومحدثة ومؤشرات واضحة لقياس أثر القرارات الحكومية من شأنه أن يساعد في بناء سياسات واقعية تستند إلى الاحتياجات الفعلية للمجتمع.
خامساً: التنمية المتوازنة مدخل لاستقرار السودان
من المهم ألا تنحصر خطط التعافي الاقتصادي في المدن والمراكز الحضرية بل ينبغي أن تمتد إلى الولايات والمحليات والمناطق الريفية وفقاً لميزاتها النسبية واحتياجاتها التنموية.
فالتنمية المتوازنة هي عدالة في الفرص والخدمات والاستثمار، وربط بين الموارد المحلية واحتياجات السكان بما يحد من الفقر والتفاوت الجغرافي والهجرة الاضطرارية ويعزز الاستقرار المجتمعي.
نحو رؤية وطنية تتجاوز الحلول المؤقتة
تحسين الأوضاع المعيشية يحتاج إلى برنامج وطني واضح، تتكامل فيه السياسات المالية والنقدية والإنتاجية والاجتماعية وتُحدد فيه الأولويات وفقاً لاحتياجات المواطن وقدرة الدولة على التنفيذ.
ومن الضروري أن تتسع دائرة التفكير والمشاركة لتشمل الخبراء والاقتصاديين والباحثين ومؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص وأن تتحول آراء المواطنين ومقترحاتهم إلى مدخل حقيقي لتصميم السياسات وتقييم نتائجها.
فالمواطن دوره أكبر من متلقى للقرارات الاقتصاديةالمواطن صاحب مصلحة وشريك في تحديد الأولويات وصناعة الحلول.
آرت أن تقول
معركة الوطن من أجل التعافي لا تنفصل عن معركة الإنسان من أجل حياة كريمة. فالاستقرار الاقتصادي لا يُقاس فقط بالمؤشرات والأرقام ولكنه أيضا بقدرة الأسرة على توفير غذائها وتعليم أبنائها
والحصول على العلاج والعيش بأمان وكرامة.
والمرحلة الراهنة تستدعي الانتقال من تشخيص الأزمة إلى بناء الحلول ومن إدارة الاحتياجات اليومية إلى تأسيس اقتصاد منتج وعادل ومن المعالجات المؤقتة إلى مشروع تنموي وطني يستوعب جغرافيا السودان وتنوع موارده وإمكانات إنسانه.
فالوطن لا يحتاج إلى اقتصاد يكتفي بالصمود أمام الأزمات يحتاج إلى اقتصاد يفتح الطريق أمام الحياة والإنتاج والاستقرار.
حفظكم الله ورعاكم
ولأن للحقيقة سنا سنكتب
