منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

*الحسد في السودان.. حين يتحول نجاح الآخر إلى تهمة* *من «كلب القرية» إلى «العشرة بيوت والمسجد».. هل نكسر جناح الناجح بدل أن نمد له يد العون؟* *بقلم : حسبو علي بخيت*

0

الحسد في السودان.. حين يتحول نجاح الآخر إلى تهمة
من «كلب القرية» إلى «العشرة بيوت والمسجد».. هل نكسر جناح الناجح بدل أن نمد له يد العون؟
بقلم ✍️: حسبو علي بخيت

الحسد ليس مرضًا سودانيًا، ولا عيبًا جينيًا ورثناه مع الدم واللغة والقبيلة؛ فهو داء بشري قديم، عرفه الإنسان منذ أول قصة صراع بين الأخوين، وحذّر منه القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: 5].
لكن السؤال الذي يستحق التأمل: لماذا يبدو الحسد في بعض البيئات السودانية وكأنه سلوك اجتماعي متكرر؟ لماذا إذا ارتفع إنسان من أبناء الحي قليلًا، سأل البعض: «من أين له هذا؟» بدل أن يقولوا: «بارك الله له وزاده»؟ ولماذا يتحول نجاح الطبيب أو الأكاديمي أو التاجر أو الموظف إلى مناسبة للبحث عن عيوبه، بدل الاحتفاء بما أنجزه؟
الحسد في أخطر صوره ليس مجرد تمني امتلاك نعمة الآخر، وإنما تمني زوالها عنه. ولذلك يقول الله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: 54]. فنجاح ابن الجار لا يعني فشلنا، وغنى القريب لا يعني فقرنا، وترقية الزميل لا تنتقص من مكانتنا.
الحسد.. حين تصبح نعمة الآخر مشكلة
في الذاكرة الاجتماعية السودانية كثير من الحكايات والأقوال التي تناولت هذه الظاهرة بالسخرية والنقد. وتُنسب إلى العلامة عبد الله الطيب عبارات ساخرة عن انتشار الحسد، وهي قولة أن بالجزيرة العربية عشر قبائل اشتهرت بالحسد هاجر منها تسع قبائل للسودان كما تُروى عنه حكايات حول المنافسة والحسد الأكاديمي وقال لم أعرف الحسد الأكاديمي والوظيفي إلا بعد أن تم تعيني مديرا لجامعة الخرطوم.
وتُنسب إلى الدكتور منصور خالد صورة ساخرة للحاسد تشبهه بـ«كلب القرية» الذي يلهث خلف كل عربة تمر؛ فإذا توقفت تركها وانشغل بأخرى. وهي صورة تلخص حال من لا يبني مشروعه، وإنما يراقب مشاريع الآخرين؛ لا يزرع أرضه، بل يتابع محصول جاره، ولا يطور نفسه، بل يبحث عن ثغرة في نجاح غيره.
وفي الذاكرة السياسية السودانية تتردد أيضًا عبارة منسوبة إلى الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري: «أنا أحكم عشرين مليون حاسد»، كما ترد روايات عن السياسي إبراهيم منعم منصور ووالده الناظر منعم منصور، وعن شكاوى وتقارير كان يرفعها بعض السودانيين ضد بعضهم بعضًا في الحقبة الاستعمارية، إن الحسد يجعل تقدم السودان أمرا بالغ الصعوبة.
المهم في هذه القصص ليس إثبات كل حكاية، وإنما فهم المعنى الاجتماعي الذي تحمله: حين تتحول المنافسة إلى كيد، والاختلاف إلى تشويه، يصبح المجتمع مشغولًا بإسقاط أفراده بدل بناء مؤسساته.
الحسد الأكاديمي والمجتمع
قد يكون الحسد أكثر خطورة حين يدخل المؤسسات العلمية. فقد يبدأ الأمر بعبارة عابرة: «فلان ما عنده حاجة»، ثم تتحول إلى التشكيك في شهادته، ثم اتهامه بالواسطة، ثم نبش ماضيه، ثم الشائعات. وهنا يتحول نجاح الإنسان من إنجاز يستحق التقدير إلى تهمة تستدعي المحاكمة الاجتماعية على كل صاحب نعمة انعم بها الله علية.
وقد تناولت كتابات سودانية هذه الظاهرة بين المثقفين والأكاديميين، كما تحدث الإمام الصادق المهدي في سياقات مختلفة عن الحسد باعتباره من الآفات القلبية، داعيًا إلى الاعتراف بفضل أهل الفضل وإنزال الناس منازلهم.
«العشرة بيوت والمسجد».. حين يصبح الحل قطع نعمة الكهرباء
ومن القصص التي حكاها لي أحد زملاء الدراسة حكاية عشرة بيوت ومسجد في العاصمة القومية، قيل إنها كانت مرتبطة بخط كهرباء ساخن، فلا تدخل ضمن برمجة القطوعات. فاحتج بعض أهل الحي على استمرار الكهرباء عن تلك المنازل، وانتهى الأمر ـ بحسب الرواية ـ بإخراجها، ومعها المسجد، من الخط الساخن.
هذة القصة تصلح مثالًا ساخرًا على الفرق بين المطالبة بالعدل والمطالبة بإزالة نعمة الآخر. كان يمكن أن يكون السؤال: «متى تصل الكهرباء إلى بقية الحي؟»، لكن الحسد، في صورته الهدامة، يقلب السؤال إلى: «لماذا عندهم؟ اقطعوها عنهم».
وهنا تكمن المشكلة: أن نطلب الحرمان للآخر بدل أن نطلب النعمة لأنفسنا.
لا نريد «قطع الزهرة الطويلة»
في بعض المجتمعات تظهر ثقافة غير مكتوبة تقول: لا ترفع رأسك كثيرًا. فإذا بنى شخص بيتًا قيل: «من أين له المال؟»، وإذا اشترى سيارة قيل: «أكيد عنده مصدر آخر»، وإذا نجح ابنه قيل: «الحظ خدمه»، وإذا ترقى موظف قيل: «عنده واسطة».
إنها ثقافة «قطع الزهرة الطويلة»: بدل أن نزرع زهورًا أكثر، نكسر الزهرة التي نمت أعلى من غيرها.
لكن من الظلم أن نصف السودانيين جميعًا بالحسد. فالسودان زاخر أيضًا بالمروءة والإيثار والنجدة، وبقصص من يساعد ابن جاره، ويعين المحتاج، ويفرح لنجاح صديقه. المشكلة ليست في السوداني بوصفه سودانيًا، وإنما في السلوك حين يتحول الحسد من شعور عابر إلى ثقافة.
من الحسد إلى الشماتة
الحسد قد يجر وراءه الغيبة والنميمة والتشويه والشماتة والكيد والظلم. والفرق بين الناقد والحاسد واضح: الناقد يريد إصلاح الخطأ ويحترم صاحبه، أما الحاسد فقد يكره صاحبه حتى لو كانت فكرته صحيحة.
والحسد لا يتعلق بالمال وحده؛ فقد يُحسد الإنسان على علمه، وحسن خلقه، ومحبة الناس له، ونجاح أبنائه، أو مجرد القبول الذي منحه الله له.
العلاج.. أن نفرح للآخرين
يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [النساء: 32]. والعلاج يبدأ بالإيمان بأن أرزاق الناس بيد الله، وأن نجاح غيرنا لا يسلب نجاحنا.
وقال النبي ﷺ: «لا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا». والفرق بين الحسد والغبطة أن الحاسد يقول: «اللهم خذها منه»، بينما صاحب الغبطة يقول: «اللهم ارزقني مثلها».
السودان اليوم لا يحتاج إلى كسر الناجحين، بل إلى صناعة الناجحين. لا نريد أن نقطع الكهرباء عن البيت الذي أضاء بخط الكهرباء الساخن، بل نريد أن نضيء كل البيوت. لا نريد إسقاط الناجح، بل نريد ألف ناجح مثله. لا نريد قطع الزهرة الطويلة، بل نريد أن نزرع حديقة كاملة.
ولعل أبلغ ما نختم به قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر: 10].
فالسودان لا تنقصه العقول ولا الطاقات؛ وما يحتاجه أكثر هو قلوب تتسع لنجاح بعضها بعضًا. فإذا أصبح نجاح الفرد إضافة إلى رصيد الجماعة، لا خصمًا منه، فلن نحتاج إلى كسر الزهرة الطويلة… بل سنسقيها حتى تصير حديقة تسر الناظرين.
وخلاصة هذه الأقوال كلها:
الحسد عذابٌ يسكن قلب صاحبه قبل أن يصل أذاه إلى المحسود.
وفي الختام، فإن سلامةَ الصدر من الحسد من أنبل أخلاق المؤمن، وبها يصفو القلب، وتطيب النفس، وتدوم المودة. فطوبى لمن طهّر قلبه من الضغائن، ورضي بقضاء الله، وفرح بنعم الآخرين كما يفرح لنفسه؛ فإن القلب السليم راحةٌ في الدنيا، ونجاةٌ يوم الدين

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.