في صحبة بروفسير الجزولي دفع الله (2-2) دكتورة هويدا صلاح الدين العتباني howsa1200@gmail.com
في صحبة بروفسير الجزولي دفع الله (2-2)
دكتورة هويدا صلاح الدين العتباني
howsa1200@gmail.com

الأسم عادة يدعو للتفاؤل ، والمولود يسمى بالأمل في تحقيق معنى إسمه نصراً وفوزاً حمداً ورحمةً، ولذلك قال عالمنا الجليل عبدالله الطيب والعهدة على الراوي
تفاءلت باسم سوار الذهب
وبالجزولي إذ يُنتخب
فهذا رمزٌ لغنانا
وهذا دلائل خيراتنا قد كُتب.
الإثنان الذهب والجزل هما يمثلان القوة والمتن، وهي بشريات للسودان وأهله، ربما لم تكن الحكومات التي تلت حكومة الفترة الانتقالية قد حققت الغنى او جلبت الخيرات كما توقع العالم الجليل عبدالله الطيب، لكن بلا شك فإن حكومةسوار الدهب الإنتقالية ستظل عالقة في ذهن الشعب السوداني، لانها أعطت دون أن تأخذ، وكانت رمزاً للإلتزام والوفاء بالعهد، الذي قلما يتحقق .
كلمة صحبة حسب ما في العنوان، لها دلالات اجتماعية ودينية عميقة، فهي تعني الملازمة والمجالسة في سياق الرفقة، وقد كانت صحبتنا للبروف الجزولي في السفر من مدينة برمنجهام إلى مانشستر خير شاهد على ذلك، فأدلى بدلوه لملامح من تاريخه الناصع والذي تعرضت له في مقالي السابق، وقد رأيت ان آضيف بعض المعلومات التي فاتني ذكرها .
ذكرت كيف أن الجزولي دفع الله كان مطلعا منذ أن كان في مدرسة رفاعة الوسطى، وعلاقته بالأدب وقراءته للشعر وإعجابه بالمتنبي. وكان كذلك يقرأ الصحف وعلى وجه الخصوص صحيفة الرأي العام لمؤسسها إسماعيل العتباني، وقد حفزته قراءة الصحف في المرحلة الوسطى وبالتحديد في السنة الثانية الوسطى على إنشاء جريدة حائطية أسماها ( أفكار تلميذ ) . ثم عندما دخل حنتوب الثانوية أنشأ جريدة حائطية أخرى بأسم (شواظ ) واستمر يصدرها حتى بعد دخوله الجامعة .
ومن الأحداث البارزة في عام 1945 صدر أول قانون لمنع خفاض الإناث في السودان. وشهد عام 1946 أول تطبيق لهذا القانون، ومن ذكريات الجزولي ذلك الحدث الرائج في رفاعة ، حيث إعتقل مفتش المركز الإنجليزي إحدى الدايات على أثر إجراءها خفاضاً فرعونيا لأحدى الطفلات، فأعترض أهل رفاعة على هذا الاعتقال وعلى رأس المعتقلين الاستاذ محمود محمد طه و إمام المسجد صديق الأزهري، لم يكن الاعتراض بسبب منع الخفاض، وإنما لقناعة أن العادات والتقاليد لا تعالج بالسجن، وإنما بنشر الوعي والمعرفة، وربما أيضا مروءة السودانيين وفرط احترامهم للمرأة يجعلهم يرفضون إعتقالها. ويقال أن الثوار من المواطنين عبروا النهر، مطاردين المفتش الإنجليزي حتى مدينة الحصاحيصا بالضفة الغربية للنيل الأزرق.
ومن الذكريات التي يحكيها الجزولي أن إمام مسجد رفاعة صديق الأزهري كان رجلاً يبدو صغيراً في بنيته لكنه خطيباً وقوياً في حديثه . ومن الطرائف التي يذكرها ذمه لكورة القدم والسنما فكان يقول (كورة القدم تورث الندم ) و (السنما سوء نما ) . وكان هناك صاحب بار يوناني أسمه بدوس فكان يقول عنه (لعن الله بدوس وشارب الكدوس)
بصفة عامة لم يكن في باديء الأمر إلتحاق الجزولي بحزب او إيمانه بفكر عن رغبة أصيلة في نفسه، لأن الانتماء يجعل المرء مقيدا ومرتبطاً فكرياً وسياسياً بجهة بعينها، وربما يحد ذلك من حريته. ورغماً عن ذلك لم يكن دخوله للحركة الإسلامية محض صدفة وإنما عبر قراءة عميقة للفكر الإسلامي، الذي مهد له بقراءة كتب الاسلاميين مثل سيد قطب فقرأ له كتاب (التفسير الفني للقرآن ) وكتاب (مشاهد القيامة في القرآن) عام 1947، وقد اعتمد سيد قطب في كتاباته على التحليل والتصوير الفني.
وفي عام 1949 وهو في السنة الثالثة ثانوي في مدرسة حنتوب الثانوية إنضم لحركة التحرير الاسلامية بقيادة مرغني النصري، ثم دخل المكتب التنفيذي وظل به حتى دخوله جامعة الخرطوم .
ولعل البعض يتساءل عن علاقة حركة التحرير الإسلامية بحركة الإخوان المسلمين ؟ أو بعبارة أخرى كيف حصل الإلتقاء والاندماج ؟؟ الأمر الغريب أنه في باديء الأمر لم يكن هناك أية علاقة او او نقطة إلتقاء بين الحركتين، وهنا لا بد من نبذة تاريخيّة مختصرة.
كانت البداية لحركة الأخوان المسلمين عندما إلتقى الصادق عبدالله عبدالماجد بالشيخ حسن البنا عام 1946 وكان وقتها يدرس القانون في مصر، فسأله شيخ البنا لماذا لايوجد فرع للإخوان المسلمين في السودان، والذي كان جزءً من مصر وكان من ضمن شعاراته (الإسلام دين ودولة)، فكانت تلك النواة الاولى لتكوين حركة شعبية ذات ولاء لحركة الإخوان المسلمين في مصر .
بينما نشأت في الطرف الآخر حركة التحرير الإسلامية بقيادة بابكر كرار في المدارس الثانوية وكلية غردون التذكارية عام 1945، كرد فعل للحركة الشيوعية في السودان، وعلى أساس أنها حركة معادية للدين، بل ان الحركة الشيوعية في مصر حركة ملحدة بقيادة هنري كوريل الذي أغتيل عام 1978، وهو يهودي طرد من مصر عام 1958 وهو الذي كون في مصر الحركة الوطنية مع مصر (حدتو)، وكون الحركة السودانية للتحرر الوطني (حسدتو)، فنشأت حركة التحرير الإسلامية كرد فعل وبإسم مشابه. وطلب بابكر كرار من ثلاثة من المناوبين والقانونين معه كتابة الدستور الإسلامي، فتم ذلك آخذين أفكارهم من كتاب (حياة محمد ) لمؤلفه محمد حسين هيكل ، والذي يحوي على دستور المدينة. واستطاعت حركة التحرير أن تسيطر على إتحاد الطلبة في جامعة الخرطوم عام 1952 بقيادة الرشيد الطاهر وتبعد الحزب الشيوعي .
الشاهد انه في عام 1952 بعد تخرج مجموعة من قيادات حركة التحرير مثل يوسف حسن سعيد ومحمد يوسف محمد وحسن الترابي والرشيد الطاهر، وجدوا أمامهم حركة الإخوان المسلمين بقيادة علي طالب الله، ووجدوا أنهم يتفقون معهم على نفس المباديء الدستورية، فأقاموا ما أسموه (مؤتمر العيد ) للتوحيد بين الحركتين لينطلق العمل الإسلامي تحت اسم (حركة الأخوان المسلين ) ولكن التعريف كان (الإخوان المسلمين حركة إسلامية مقرها السودان)،كأنهم بهذا التعريف أرادوا أن يتحرروا من التبعية لمصر ويستقبلوا بأنفسهم، وتزامن ذلك مع الخلاف بين الإخوان المسلمين في مصر مع الرئيس جمال عبدالناصر والذي أدى إلى إعدام بعض قياداتهم، مما إستدعى التعاطف والتآزر معهم لا التخلي والإبتعاد عنهم، وهنا ظهرت بؤرة الخلاف الاولى، حيث أخرج علي طالب الله بياناً ذكر فيه أنهم (لا إخوان ولا مسلمين ) وبإعتبار أنه مبايع لحركة الإخوان المسلمين في مصر .
من المراحل المهمة في حياة الجزولي قيادته لنقابة الأطباء أبان الحكم المايوي، والتى قاد إضرابها إلى شل حركة البلاد، فأصبح النظام المايوي يلفظ أنفاسه الأخيرة، وهي النقابة الوحيدة التي فشل النظام في حلها، مما سبب للنظام صداعاً وألماً مبرحاً، فخرجت على إثر ذلك إنتفاضة أبريل 1985، وقامت الأجهزة الأمنية بإعتقال الجزولي وأودعته سجن كوبر. وبعد إعلان الجيش انحيازه للشعب خرجت حشود المواطنين إلى الشارع ومنها إلى سجن كوبر لإطلاق سراح المعتقلين السياسيين من سجن كوبر وعلى رأسهم الجزولي دفع الله .
بعد انتفاضة أبريل عقد أول اجتماع لقيادة التجمع النقابي بدار أساتذة جامعة جامعة الخرطوم، وكانت تلك النواة الأولى للتجمع النقابي، وتم إختيار الجزولي دفع الله رئيساً للتجمع و عوض الكريم محمد أحمد من نقابة المهندسين أميناً عاماً . كل ذلك أهله ليقود أهم حقبة في حياته، فتشكلت الحكومة الإنتقالية عام 1985، ليتقلّد الجزولي دفع الله منصب رئيس الوزراء .
وضمت الوزارة 15 وزيراً من القامات المهنية المستقلة :
صمويل أروب بول (نائباً للرئيس ووزيراً للري)
الفريق أول عثمان عبد الله (الدفاع)
اللواء عباس مدني (الداخلية)
إبراهيم طه أيوب (الخارجية)
عوض عبد المجيد (المالية)
أمين مكي مدني (الأشغال والإسكان)
د. حسين أبو صالح (الصحة)
محمد بشير حامد (الإعلام)
عمر عبد العاطي (النائب العام)
بشير حاج التوم (التربية والتعليم)
صديق عابدين (الزراعة)
عبد العزيز عثمان موسى (الطاقة والصناعة)
بيتر جاتكوث (النقل والمواصلات)
ستانلي جيمي بولي (الخدمة العامة)
عاصم عبد الرحمن (التجارة)
من أهم ملامح الحكومة التي تكونت الاستقلالية في اختيار الوزراء من “التكنوقراط”، بعيداً عن المحاصصات الحزبية، وهو أمر تكمن أهميته في تحقيق الحياد في إدارة الدولة.
عملت الحكومة بتناغم فريد مع “المجلس العسكري الانتقالي” برئاسة المشير سوار الذهب. ركزت الوزارة على تصفية آثار نظام مايو، ومعالجة المجاعة، والتحضير لأول انتخابات ديمقراطية خلال عام واحد فقط.
وفي عهد حكومة الإنقاذ كان رأي الجزولي واضحاً في عدم التعامل مع الأنظمة الشمولية، لذلك رفض عرض الإنقاذ له ليكون ممثلاً للحكومة في الأمم المتحدة، وكان تبريره أنه عندما كان رئيساً للوزراء في حكومة الفترة الانتقالية أدان الأنظمة الشمولية في منبر الأمم المتحدة، فكيف يرجع ليمثل نظاماً عسكرياً شمولياً في ذات المنبر الذي طرح فيه نقده من قبل .
هذا قليل من كثير لجيل ذهبي، أثبت أن السودان يزخر بالكفاءات النادرة والقادرة على إدارة أصعب الأزمات وأعتى المراحل في تاريخ السودان الحديث، جيل اوفى بالعهد والوعد، صدق مع نفسه وتصالح مع شعبه، فلنهتف معاً (سجل سجل يا تاريخ) .
