الحرب السودانية ما بين الطلقة الأولى والأخيرة ================ ✍️كتب/ حسن البصير
الحرب السودانية ما بين الطلقة الأولى والأخيرة
================
✍️كتب/ حسن البصير

▪️تتداعى الأحداث وتتشابك الرؤى حين يُسدل الستار على محطات التحول الكبرى في تاريخ الأمم، وتظل لحظات التفجر الأولى شاهدة على حجم المؤامرة التي استهدفت عرش الدولة الوطنية في السودان، حيث تدخل الحرب في السودان عامها الخامس منذ أن انقضت فيه قوات الدعم السريع على قلب العاصمة السودانية في 15 أبريل 2023، وما كان يُنظر إليه في أيامه الأولى على أنه مناوشة عسكرية عابرة بين طرفين خرجا من رحم المنظومة الأمنية ذاتها، تكشف بمرور الوقت عن حرب بالغة الخطورة والتعقيد، تتشابك فيها الأبعاد الداخلية والإقليمية والدولية، فالسودان اليوم لا يخوض معركة سيادة على ترابه فحسب، بل يقف في مواجهة مخطط تمتد خيوطه خارج الحدود.
▪️إن مفتاح فهم صمود الجيش السوداني يكمن في طبيعته ذاتها، فهو مؤسسة ذات إرث عميق في إدارة الموارد وقراءة المعارك، وقد أدركت قيادته مبكراً أن هذا التمرد يختلف جذرياً لأنه نشأ من داخل منظومة الدولة العسكرية ونصب خيامه في مركزها لا في أطرافها، لذلك اختار في البداية معركة دفاعية تقوم على حماية مراكز القيادة والسيطرة، مستنداً إلى القاعدة التكتيكية التي تجعل المدافع في موضع أفضل من المهاجم، فكانت النتيجة استنزافاً تدريجياً لقوات الدعم السريع التي أهدرت زخمها في اقتحام متاريس صامدة، بينما كان العام الأول بالنسبة للجيش عام امتصاص للصدمة والمحافظة على القوة الصلبة عبر مواصلة التدريب وتحديث التصنيع الحربي واستيراد تقنيات جديدة في مقدمتها المسيرات وبناء دفاعات متعددة الطبقات بالتشويش الإلكتروني والرصد المبكر، مع الحفاظ على ميناء بورتسودان منفذاً لوجستياً حيوياً.
وعندما اكتمل هذا الإعداد جاء الاندفاع المنظم في السنة الثانية، فقطع الجيش أوصال الدعم السريع في الجزيرة وسنار وجبل موية وداخل الخرطوم نفسها، معتمداً استراتيجية الحصار ثم قطع الأوصال ثم تصفية التمركزات، وهو ما أفضى إلى انهيار كبير اضطرت معه قوات الدعم السريع للانسحاب وإعادة التمركز في كردفان ودارفور، وبذلك انتهى الخطر الوجودي على الدولة.
▪️لكن هذه الحرب ليست ثنائية، فخلف قوات الدعم السريع منظومة دعم خارجي تتدفق عبر ليبيا وتشاد وحدود أخرى، في إطار صراع جيوسياسي دولي تتقاطع فيه مصالح القوى الكبرى وأجندات إقليمية تسعى لإعادة رسم خريطة النفوذ، وكان مخططها يقوم على منطق جغرافي مواردي واضح، السيطرة على ذهب دارفور، ثم الزحف نحو الوسط للسيطرة على النفط والزراعة، والوصول إلى الشرق لموارد المياه،
▪️لاشك أن ثمن هذه الحرب كان فادحاً، فقد شهد السودان أكبر أزمة نزوح في العالم بنحو عشرة ملايين نازح داخلي وأكثر من أربعة ملايين لاجئ، وأكثر من واحد وعشرين مليون شخص تحت وطأة انعدام الأمن الغذائي، غير أن المجتمع لم يكن شاهداً صامتاً بل شكل عمقاً استراتيجياً للجيش، استوعب النازحين دون معسكرات رسمية وتدفق شبابه إلى معسكرات الاستنفار بعد تشكيل المقاومة الشعبية و التي اضحت تمثل الحاضنة السياسية و الدفاعية الاقوي للقوات المسلحة و كان الشعار الابرز لا صوت يعلو فوق صوت المعركة.
▪️واليوم، مع تسارع المشاهد الميدانية وانجلاء غبار الرهانات الشرسة، تشير الحسابات العسكرية بدقة إلى دناوة المفاصل الأخيرة لهذه الحرب، حيث اقترب الجيش السوداني من حسم المعركة بصورة قاطعة وطي صفحة التمرد إلى غير رجعة، بعد أن نجح عبر مراحل الاستنزاف الممنهجة في تدمير القوة الصلبة لمليشيا الدعم السريع وقطع خطوط إمدادها الرئيسة وتفكيك هيكلها القيادي، وتتجلى الشواهد الساطعة من قلب الميدان لؤكد نهاية هذه المنظومة العسكرية والسياسية، بدءاً من تهاوي قيادات الخط الأول ومقتلها أو فرارها خارج المشهد، وتحول المليشيا من الهجوم والتمدد إلى حالة الدفاع العشوائي والتشتت في المفاوز والقرى النائية، مروراً بظاهرة الهروب الجماعي وارتفاع معدلات الانشقاقات وتسليم الأسلحة الثقيلة للقيادات الميدانية، وصولاً إلى فقدان المليشيا الحاضنة الاجتماعية والغطاء السياسي الداخلي والخارجي، وتضاؤل قدرتها على السيطرة أو إدارة أي رقعة جغرافية، لتكون هذه الحرب في نهايتها الشاهد التاريخي الأكبر على صلابة المؤسسة العسكرية السودانية وقدرتها على تحويل التحديات الوجودية إلى نصر يتشكل بين أزيز الطلقة الأولى وصداها الأخير .
