منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

البعد_الاخر مصعب بريــر الموت جوعاً فوق كنز الـ 100 مليار: مشروع الجزيرة.. طوق النجاة الأخير لأمننا الغذائي ..!

0

البعد_الاخر
مصعب بريــر
الموت جوعاً فوق كنز الـ 100 مليار: مشروع الجزيرة.. طوق النجاة الأخير لأمننا الغذائي ..!

هل راقبت يوماً كيف يموت الزرع في حوش البيت الواسع، ليس لأن الماء غائب، بل لأن أحداً لم يكلف نفسه عناء فتح الصنبور؟ في السودان، نحن لا نملك حوشاً صغيراً، بل نملك أرضاً تشرب من النهر بلا عناء، ومع ذلك ننتظر في طوابير طويلة من يطعمنا.

هذا ليس حديثاً للبكاء على أطلال الماضي، بل هو عما نخسره اليوم بصمت وسط ضجيج الرصاص والأزمات. جوهر القضية يتلخص في سؤال يتهرب منه الجميع: كيف ننجو بأمننا الغذائي من مقصلة الحرب والانهيار الاقتصادي العالمي؟ ما يحدث باختصار، أننا نجلس فوق كنز أخضر يعادل مساحة دولتين، كالكويت وقطر مجتمعتين، بينما تتضور أسواقنا جوعاً وتنتظر الإغاثة.

السبب الظاهر الذي يعلق عليه الجميع خيباتهم هو الحرب وتآكل التمويل. وطبيعي، بعد هذا المبرر الجاهز، أن نرى طاحونة الغلاء تطحن عظام المواطن البسيط. لكن ما لا يُرى، هو أن هذا الخنق الاقتصادي له جذور أعمق من أزمات اليوم؛ لقد بدأ حين أدرنا ظهورنا لمشروع الجزيرة. انظر كيف تسلل هذا الإهمال ليلد لنا مجاعة ناعمة؛ فبدلاً من أن يكون المشروع حائط الصد المنيع ضد التغير المناخي، تحول إلى ضحية للمحاصصات والمطامع الضيقة وصراع الكراسي.

تخيل معي أن رجلاً يمتلك مصنعاً يدر الملايين، لكنه يتركه ليصدأ ويذهب كل صباح ليستدين ثمن رغيف الخبز. هذا بالضبط ما نفعله. لقد قدر البنك الدولي قيمة البنية التحتية لمشروع الجزيرة بنحو 100 مليار دولار؛ نتحدث عن 1300 كيلومتر من السكك الحديدية، و14 محلجاً، وآلاف الآليات التي تأكلها الشمس. وفوق ذلك كله، نظام ري انسيابي معجز يمتد لأكثر من 150 ألف كيلومتر، أي ما يكفي ليلف الكرة الأرضية أربع مرات، دون أن يكلفنا لتراً واحداً من الوقود. ومع ذلك، يعاني المواطن لتوفير لقمة العيش في سوق ليبيا أو الكلاكلة.

يرى البعض أن إعادة إعمار هذا المارد المستلقي تحتاج إلى معجزة، لكن ألا يتحمل العقل الإداري والسياسي الذي فتت هذه البنية جزءاً من الجريمة؟ دول مثل فيتنام ورواندا نهضت من رماد حروب أبشع مما نعيشه اليوم، ليس بالسحر، بل باللامركزية الإدارية وربط المزارع البسيط بسلاسل القيمة العالمية. نحن لسنا بحاجة لاختراع العجلة، بل نحتاج إلى إعلان المشروع كمنطقة طوارئ اقتصادية فوراً، وتوجيه التمويل لإنقاذ القنوات وتأمين التقاوي. يمكننا بسهولة دعوة الاستثمار بنظام البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT) لتشغيل المحالج وتأهيل السكة حديد، لرفع العبء عن كاهل الدولة.

كل هذه الخطوات، من إصلاحات تشريعية تحمي أصول المشروع، إلى هيكلة مؤسسية تعيد للجمعيات التعاونية هيبتها، لن تعني شيئاً إن لم تتوفر الإرادة. وهنا، تتجمع كل هذه الخيوط لتشير إلى حقيقة واحدة مُرّة: الأزمة الحقيقية ليست في غياب التكنولوجيا أو شح الأموال، بل في غياب العقل الوطني الذي يدرك أن حواشة المزارع في الجزيرة هي التي تحدد سعر الرغيف في الخرطوم، وهي التي تمنح القرار السياسي استقلاله.

الضوء في آخر النفق لا يحتاج إلى معجزة ربانية جديدة، بل يحتاج إلى أيدٍ تغرس في الأرض ولا تكتفي بالتلويح في الهواء. نحن لا نعاني من فقر في الموارد، بل ننزف من فقر في الانتماء والمسؤولية.

بعد اخير:

خلاصة القول، عندما يمتلك الوطن أرضاً تتنفس ذهباً أخضر وتُروى بعبقرية بلا قطرة وقود، ثم يمد يده متسولاً، فنحن لا نُهزم أمام عدو خارجي، بل نُهزم أمام أنفسنا في معركة قررنا ألا نخوضها أصلاً.

أخيرًا، ما هي برأيك أول خطوة عملية ومباشرة يمكن للمزارعين وأبناء الجزيرة أنفسهم اتخاذها اليوم على أرض الواقع لحماية ما تبقى من أصول المشروع قبل أن تبتلعها الفوضى تماماً؟

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.

ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

البُعد_الآخر | مصعب بريــر

musapbrear@gmail.com

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.