منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

تراتيل الخيانة: فلسفة الطابور الخامس في دهاليز الدولة د. الشاذلي عبداللطيف

0

تراتيل الخيانة:
فلسفة الطابور الخامس في دهاليز الدولة
✍️ د. الشاذلي عبداللطيف

في الحروب، تعرف الدولة عدوها حين يأتيها من خلف المتاريس.
لكنها تبدأ بالخوف حين تكتشف أن بعض الرصاص خرج من داخل جدرانها.
هناك، في المنطقة الرمادية بين الوظيفة والخيانة، وبين المنصب والمصلحة، وبين الوطن والولاءات الصغيرة، يولد ما يسمى بالطابور الخامس.
ليس رجلا يحمل لافتة كتب عليها: “أنا خائن”.
ولا جاسوسا كما تصوره الأفلام، بمعطف أسود ونظارة داكنة وحقيبة مليئة بالأسرار.
الأمر أبسط من ذلك كثيرا.
قد يكون موظفا أنيقا.
قد يكون صاحب قرار.
قد يكون صاحب قلم.
وقد يكون شخصا يعرف أبواب المؤسسة أكثر مما يعرف معنى الدولة.
يجلس في الاجتماعات.
يهز رأسه بالموافقة.
يصفق عند اللزوم.
ثم يبدأ عمله الحقيقي حين ينفض الاجتماع.
معلومة هنا.
تسريب هناك.
شائعة صغيرة.
تقرير ناقص.
قرار يجري دفعه في الاتجاه الخطأ.
وصاحب كفاءة يخرج من الطريق كي يعبر شخص أكثر طاعة وأقل كفاءة.
الطابور الخامس لا يهدم الدولة بالجرافات.
إنه أكثر صبرا.
يهدمها مسمارا بعد مسمار.
وحين يسقط السقف، يقف تحت الركام معنا ويسأل باستغراب:
من فعل هذا؟
يا لها من مهنة عجيبة.
يمكن للمرء أن يفتح نافذة في جدار الوطن ليلا، ثم يحاضر الناس صباحا عن ضرورة حماية الأبواب.
يمكنه أن يضعف مؤسسة كاملة، ثم يظهر في مناسبة عامة متحدثا عن “المصلحة الوطنية العليا”.
ويمكنه أن يخدم مصالح لا علاقة لها بالدولة، ثم يغضب إذا شك أحد في وطنيته.
لكن الطابور الخامس ليس مجرد شخص.
إنه بيئة.
فهو ينمو حين تضعف المؤسسات.
ويتغذى حين يغيب الحساب.
ويكبر حين تصبح الولاءات الشخصية أقوى من الولاء للدولة.
ويصبح خطرا حقيقيا حين يعلم أن المنصب يحميه، وأن الوثائق يمكن إخفاؤها، وأن الأسئلة المزعجة يمكن إسكات أصحابها.
هنا تبدأ المشكلة.
فالخيانة الكبرى لا تبدأ دائما باجتماع سري.
قد تبدأ بتعيين خاطئ.
بصمت متعمد.
بإخفاء معلومة.
بتحويل المؤسسة إلى دائرة مغلقة من الأصدقاء والموالين.
وحين يصبح السؤال جريمة، يصبح الخطأ سياسة.
وحين يصبح النقد خطرا، يصبح الفساد آمنا.
لكن من الضروري أن نقولها بوضوح:
ليس كل مخالف خائنا.
وليس كل معارض طابورا خامسا.
الاختلاف السياسي حق.
والنقد حق.
والمعارضة حق.
أما العمل سرا على تقويض الدولة، أو تسريب أسرارها، أو مساعدة من يهدد أمنها، أو تعطيل مؤسساتها عمدا، فذلك أمر آخر تماما.
وهنا يجب أن يتقدم القانون.
لا الغضب.
ولا التشفي.
ولا محاكم وسائل التواصل الاجتماعي.
فالدولة لا تصرخ: خائن.
الدولة تسأل:
من فعل؟
وماذا فعل؟
ولصالح من؟
وأين الدليل؟
ثم تضع الملف أمام تحقيق نزيه وقضاء مستقل.
ذلك هو الفارق بين دولة تحكم بالقانون، وجماعة تحكم بالانفعال.
في السودان، دفعنا ثمنا باهظا حين اختلطت المواقف، وتشابكت المصالح، وأصبح بعض الناس يبدلون لغتهم السياسية كما يبدلون مقاعدهم.
اليوم مع الدولة.
غدا ضدها.
وبعد غد يعودون بخطاب جديد وكأن الذاكرة الوطنية أصابها عطل مفاجئ.
لكن ذاكرة الشعوب أطول مما يظن البعض.
والحروب لا تكشف فقط قوة الجيوش.
تكشف أيضا معدن الناس.
تكشف من ثبت.
ومن تردد.
ومن اختار الوطن.
ومن رأى في لحظة ضعف الدولة فرصة لتحقيق حساباته الصغيرة.
ومع ذلك، فإن أخطر خطأ يمكن أن ترتكبه الدولة بعد الحرب هو أن تحول مصطلح “الطابور الخامس” إلى عصا تضرب بها كل مخالف.
فالدولة التي توسع دائرة الاتهام بلا دليل، تصنع ظلما جديدا وهي تزعم أنها تحارب الخيانة.
والدولة القوية لا تخاف الرأي الآخر.
إنما تخاف الفعل الذي يثبت بالدليل أنه استهدف أمنها وسيادتها ومؤسساتها.
لذلك فإن معركة السودان القادمة ليست فقط معركة كشف المتعاونين والمتآمرين.
بل معركة بناء مؤسسات لا تسمح للطابور الخامس أن يولد أصلا.
مؤسسات تقوم على الكفاءة.
على الرقابة.
على تداول المعلومة وفق القانون.
على تضارب مصالح معلن.
على مساءلة لا تعرف كبيرا ولا صغيرا.
وعلى قاعدة بسيطة:
لا أحد أكبر من الدولة.
أيها المسؤولون،
لا تبحثوا عن الطابور الخامس فقط خلف الأبواب المغلقة.
ابحثوا عنه في القرار غير المبرر.
في المال بلا مصدر.
في المعلومة التي خرجت من مكانها.
في الموظف الذي يخدم شخصا أكثر مما يخدم المؤسسة.
وفي المسؤول الذي يتحدث باسم الوطن بينما يدير شؤونه بمنطق الغنيمة.
نظفوا المؤسسات بالعدالة.
لا بالخوف.
حصنوها بالقانون.
لا بالشعارات.
واجعلوا الكفاءة حارسا على الأبواب، حتى لا يصبح الوصول إلى المواقع الحساسة مكافأة للولاء الشخصي.
فالطابور الخامس لا يبدأ بالخيانة الكبرى.
يبدأ حين يصبح الولاء للأشخاص أقوى من الولاء للدولة، وحين يصبح الصمت عن العبث أكثر أمانا من قول الحقيقة.
وسيكتب التاريخ يوما:
أن السودان لم يكن يخشى فقط من طرق العدو أبوابه.
بل كان يخشى أكثر أن يجد العدو في الداخل من يفتح له الباب…
ثم يخرج في الصباح ليسأل الجميع ببراءة:
من الذي دخل؟
والدول لا تحميها كثرة الاتهامات.
تحميها عدالة لا تجامل.
وأجهزة يقظة.
ومؤسسات تعرف رجالها.
وقانون يصل إلى الجميع.
وحين يدخل الضوء إلى دهاليز الدولة،
لا يبقى للطابور الخامس مكان يختبئ فيه.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.