على بلاطة ✍️ تكتب: عبير دفع الله عزالدين في الشرطة ..وجوه غائبة في الصورة حاضرة في الواجب
على بلاطة
✍️ تكتب: عبير دفع الله عزالدين
في الشرطة ..وجوه غائبة في الصورة حاضرة في الواجب

في كل صورة شرطية تلتقط امام منصة، او في ميدان، او خلال مناسبة رسمية، تظهر الرتب والزي والاستعداد، ويقف المشهد في اكتماله امام عدسة المصور.
لكن خلف تلك الصورة وجوها لا تظهر، وايادي لا تصافحها الكاميرات، وقلوبا تعمل في صمت حتى يخرج كل شيء في موعده، وتؤدى الرسالة كما ينبغي.
هناك شرطة اخرى لا تقف في مقدمة الصفوف، لكنها تصنع انتظامها. لا تحمل دائما صافرة او عصا او سلاحا، لكنها تحمل مسؤولية لا تقل اهمية عن مسؤولية من يقف في الميدان. انهم الذين يعملون خلف الكواليس، اولئك الذين لا تلتقطهم الصورة، لكن غيابهم يجعل الصورة ناقصة.
في الادارات، يجلس الاداريون وشئون القوة امام الملفات والسجلات والمعاملات، يتابعون تفاصيل الخدمة، ويرتبون شؤون المنسوبين، ويعملون على انسياب الاجراءات. قد تبدو اعمالهم بعيدة عن صخب الميدان، لكنها في الحقيقة جزء من انتظامه. فخلف كل قوة مستعدة، ادارة تتابع، وشئون قوة تنظم، وموظف يراجع، واخر يسهر على انجاز معاملة قد لا يعرف صاحبها كم من الوقت والجهد استغرقته.
وفي المالية، هناك من يحسب الارقام لا بوصفها ارقاما فقط، بل باعتبارها احتياجات رجال وادارات ومهام. يتابعون الموازنات، والمصروفات، والاجراءات، ويعملون على ان تصل الموارد الى مواقعها.
اما التخطيط، فينظر الى ما وراء اللحظة، ويرتب الاولويات، ويضع الرؤى، ويبحث عن افضل السبل لتطوير العمل. فالميدان لا يقوم على الحضور وحده، بل يحتاج الى عقل يخطط، وميزانية تسند، وادارة تتابع.
وفي الامداد، حكاية اخرى من حكايات الواجب. هناك من يتابع الاحتياجات، ويرتب وصولها، ويعمل حتى لا يتعطل دولاب العمل. قد لا يعرف المواطن اسم من وفر له ما يحتاجه رجل الشرطة في موقعه، لكنه يستفيد من نتيجة ذلك الجهد كلما وجد القوة حاضرة ومستعدة. فالامداد ليس مجرد مستودعات وطلبات، بل هو عين تنظر الى احتياجات العمل قبل ان تتحول الى عجز.
وهناك المهندسون، الذين لا تظهر اسماؤهم كثيرا في الاخبار، لكن اثرهم حاضر في المباني والمنشات والمرافق. يتابعون الاعمال الهندسية، ويعالجون الاعطال، ويعملون على صيانة ما يحتاج الى صيانة، وتطوير ما يحتاج الى تطوير يعرفون ان بيئة العمل يجب ان تظل صالحة لاداء الرسالة.
وفي المستشفيات والمراكز الصحية، تقف الكوادر الطبية والتمريضية والفنية في جانب اخر من المشهد. هناك من يستقبل مريضا، ويتابع علاجا، ويجري فحصا، ويسهر على راحة منسوبي الشرطة واسرهم. وقد لا يسمع الناس كثيرا عن هذه الجهود، لكنها تمس حياة الانسان مباشرة. فالشرطي الذي يخرج الى الميدان يحتاج ايضا الى من يداوي جراحه، ويطمئن على صحته، ويقف الى جانبه حين يمرض.
اما كوادر العمل الجنائي، فهم الذين يلاحقون الحقيقة في تفاصيلها الدقيقة. يعملون على الفحص والتحليل، وجمع المعلومات والادلة، ومتابعة ما يقود الى كشف الجريمة. قد لا تظهر وجوههم في الصورة، لكن اثرهم يظهر حين تتضح الحقيقة، ويصل الحق الى طريقه. انهم يعملون في مساحة تحتاج الى الدقة والصبر والامانة، حيث لا مكان للتسرع، ولا قيمة لنتيجة لا تستند الى عمل مهني راسخ.
وفي حرس الشخصيات العامة، يقف رجال يحملون مسؤولية لا تظهر تفاصيلها دائما للناس. يرافقون الشخصيات التي يتولون حمايتها، ويتابعون تحركاتها، ويعملون على تأمين وصولها ومغادرتها، ويظلون في حالة يقظة وانتباه. قد يمر المشهد امام الكاميرات في لحظات، لكن خلف تلك اللحظات ساعات من الاستعداد والترتيب والمتابعة.
والسائقون ايضا لهم حكايتهم. اولئك الذين يقودون المركبات في ساعات مبكرة، او في طرق طويلة، او في ظروف صعبة، ويحملون الرجال والمهام من مكان الى مكان. قد يبدو وجودهم امرا عاديا، لكنه في الحقيقة جزء من حركة العمل كلها. فكم من مهمة لم تكن لتصل في وقتها لولا سائق يعرف الطريق، ويحسن التعامل مع المركبة، ويدرك ان سلامة من معه مسؤولية لا تقل عن مسؤولية المهمة نفسها.
وفي الورش، يعمل الحرفيون والمهنيون باياد تعرف قيمة الاتقان. هناك من يصلح المركبات، ومن يتابع الكهرباء، ومن يعمل في النجارة والحدادة والسباكة، ومن يتولى الصيانة والترميم، وغيرهم ممن يجعلون المرافق والمعدات قادرة على مواصلة العمل. قد لا يحمل هؤلاء رتبا تظهر في الصور، لكنهم يحملون خبرة تصنع الفرق بين عطل يتوقف عنده العمل، واصلاح يعيد الحياة الى ما تعطل. انهم اصحاب مهن تحفظ للمؤسسة قدرتها على الاستمرار، وتؤكد ان العمل الشرطي لا يقوم على السلاح وحده، بل على مهارات كثيرة تتكامل في خدمة الواجب.
وهناك اخرون كثر، لا تتسع لهم عدسة واحدة ولا خبر واحد. عمال النظافة، والفنيون، والكتبة، والاتصالات والمراسم والاعلام ، والمخازن، والعاملون في الخدمات، وكل من يساهم في انسياب العمل اليومي. هؤلاء جميعا يشكلون حلقات متصلة، اذا غابت حلقة منها شعر الجميع بالاثر، حتى وان لم يعرفوا اسم صاحبها.
ان المؤسسة الشرطية لا تقوم على من يظهر في الصورة وحده، بل على منظومة متكاملة من الادوار، انها شراكة في الواجب، وان اختلفت المواقع وتعددت المهام.
ولعل اجمل ما في هذه الادوار انها لا تبحث دائما عن الضوء. فهناك من ينجز عمله ثم يمضي، ومن يهيئ الطريق لغيره ثم يتركه يعبر، ومن يسهر حتى يستريح الاخرون، ومن يحمل مسؤولية لا يعرف الناس تفاصيلها. هؤلاء لا تقل قيمتهم لانهم لا يظهرون، بل ربما كان في صمتهم معنى عميق من معاني الاخلاص.
الشرطة التي لا تظهر في الصورة ليست بعيدة عن المشهد، بل هي التي تمنح المشهد اكتماله.
وفي كل مرة نرى فيها قوة مستعدة، او مركبة تصل في موعدها، او مرفقا يعمل، او مريضا يجد الرعاية، او حقيقة تتضح، علينا ان نتذكر ان خلف ذلك كله وجوها كثيرة، تعمل في صمت، وتؤدي واجبها دون انتظار ان تلتقطها الكاميرات.
لذلك تبقى التحية واجبة لكل من يعمل خلف الكواليس، ولكل يد لا تظهر، لكنها تترك اثرها في كل مشهد من مشاهد الواجب.
اولئك هم الشرطة التي لا تظهر في الصورة،
