حين يعطش المشروع ================= ✍️كتب حسن البصير
حين يعطش المشروع
=================
✍️ كتب/ حسن البصير

▪️زرت الأهل في إحدى قرى الجزيرة، فسمعت شكوى واحدة تتكرر بوجع: العطش يهدد الموسم، والقنوات جافة، والطلمبات صامتة، والمزارع يسأل عن قطرة ماء لا يجدها. وعند خروجي من القرية مرّ أمامي موكب طويل من السيارات الفاخرة يشق الطريق ويخلف وراءه غباراً كثيفاً. كان الموكب في طريقه لزيارة المشروع نفسه الذي يموت عطشاً.
▪️السؤال هنا ليس عن حق المسؤول في وسيلة نقل تليق بمهمته. المسألة مسألة تناسب وأولويات. إذا كانت زيارة مسؤول واحد لمشروع واحد تستدعي هذا العدد من العربات والمرافقين والحماية، فكم أسطولاً تحتاج الدولة عندما تتحرك كل المستويات الدستورية والتنفيذية في وقت واحد؟ وكم تبلغ الفاتورة الشهرية للوقود والصيانة وقطع الغيار والإطارات والزيوت وبدلات المرافقة؟ والأهم: كم تساوي هذه الفاتورة من أرغفة خبز، ومن جرعة دواء، ومن فاتورة مياه، ومن معاش يمنع بيتاً من الانهيار؟
▪️المفارقة موجعة وتكاد تكون فاضحة. المشروع يعاني الجفاف والتعطيل، والسيارات لا تعاني شيئاً. الوقود متوفر لها في بلد يقف فيه المواطن ساعات في الصف ليشتري لتراً واحداً. المال العام ليس مالاً بلا صاحب. السيارة الحكومية تتحرك بميزانية مفتوحة على خزينة الدولة، والوظيفة العامة تحولت تدريجياً إلى امتياز شخصي تُقاس به الهيبة بعدد العربات لا بحجم الأثر.
▪️نحن لا نعترض على الزيارات الميدانية ولا على ضرورة الحركة لمتابعة العمل. ما نعترض عليه هو المبالغة التي صارت بروتوكولاً ثابتاً، والهدر الذي صار عادة لا أحد يسأل عنها. في بلد يمر بظروف اقتصادية وإنسانية قاسية، كل جنيه يخرج من الخزينة يجب أن يجيب على سؤال واحد لا ثاني له: هل هذا الإنفاق ضروري لخدمة المواطن بشكل مباشر؟ ألم يكن من الأوفق أن تُوجه هذه الإمكانيات المهدرة إلى صيانة القنوات، وتشغيل الطلمبات، وتوفير مدخلات الإنتاج للمزارع الذي يحمل على كتفيه أمننا الغذائي؟
▪️المواطن الذي يُطلب منه أن يشد الحزام ويتحمل الغلاء وتأخر الخدمات، من حقه أن يرى قدوة في التقشف. من حقه ألا يشاهد أموال الدولة تمر أمامه في موكب فاخر بينما أبسط حقوقه غائبة. من حقه أن يشعر بأن القيادة تشاركه الوجع لا تستعرض عليه.
▪️المطلوب ليس خطاباً. المطلوب مراجعة جادة لبنود الإنفاق الحكومي، وخفض المظاهر، ووقف استيراد الرفاهية على حساب الضرورة. السودان اليوم لا يحتاج إلى أسطول يذكّر الناس بثمن الخدمة، بل إلى مسؤول يصل إلى المشروع بأقل الإمكانيات وأكبر النتائج. مسؤول يركب عربة واحدة ويخرج بقرار يحرك الماء في الترع.
▪️حين يعطش المشروع، يجب أن يكون خجلنا من بذخ السيارات أكبر من خجلنا من الجفاف. فالهيبة الحقيقية لا تُقاس بعدد العربات في الموكب، بل بعدد الحقول التي عادت خضراء بعد الزيارة.
