منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

الجاليات السودانية جبهة وطنية لا يجوز تحييدها بانتظار تحقيق التوافق   =============== ✍️ السفير/ رشاد فراج الطيب

0

الجاليات السودانية جبهة وطنية لا يجوز تحييدها بانتظار تحقيق التوافق  
✍️ السفير/ رشاد فراج الطيب

في الحروب الحديثة ، لا تُحسم المعارك في ميادين القتال وحدها ، ولا يكون الانتصار باستعادة الأرض وتحرير المدن فحسب ؛ وإنما تُخاض إلى جانبها معركة أخرى لا تقل خطورة ، هي معركة الوعي والرواية والصورة والرأي العام .
وفي هذه المعركة تبرز أهمية “الدياسبورا” والجاليات السودانية في دول الاغتراب والمهاجر ، باعتبارها قوة اجتماعية ووطنية قادرة على الحركة والتأثير ، خصوصاً في الدول التي تتمتع فيها المجتمعات المدنية بهامش معقول من حرية التعبير ، ويكون للرأي العام ووسائل الإعلام والبرلمانات ومنظمات المجتمع المدني ومراكز الأبحاث ومجموعات الضغط تأثير معتبر في صناعة القرار وتوجيه السياسات .
ولذلك فإن وجود ملايين السودانيين خارج وطنهم لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مجرد ظاهرة اغتراب أو هجرة بحثاً عن الأمن والعمل والاستقرار ، وإنما باعتباره رصيداً وطنياً واستراتيجياً وقوة ناعمة سودانية يمكن أن تسهم في الدفاع عن السودان وقضيته ومصالحه ، ومواجهة حملات التضليل التي تستهدف تشويه حقيقة ما يجري في البلاد .
فالسودان لا يواجه حرباً عسكرية فحسب ، وإنما يواجه أيضاً حرباً على الرواية الوطنية ؛ حرباً تسعى فيها جهات مختلفة إلى إعادة تعريف أسباب الحرب ، وقلب المعتدي إلى ضحية ، والضحية إلى متهم ، وتصوير الدولة وجيشها باعتبارهما أصل الأزمة ، بينما يجري التغاضي عن التمرد والعدوان والانتهاكات والجرائم التي شاهدها العالم بالصوت والصورة .
وهنا يصبح صوت الجالية السودانية في الخارج جزءاً من الدفاع عن الوطن ، ويصبح تحييدها أو إضعاف دورها خسارة لا ينبغي أن تتحملها الدولة في مثل هذه الظروف .
ومن هنا لا بد من كلمة واضحة للسفارات والبعثات الدبلوماسية :
إن رعاية الجاليات ليست نشاطاً اجتماعياً أو بروتوكولياً فحسب ، وليست وظيفة تقتصر على تنظيم المناسبات والاحتفالات وإنجاز المعاملات القنصلية .
ففي ظروف الحرب والأزمات الوطنية الكبرى ، تتحول الجالية إلى امتداد للدبلوماسية الشعبية ، وأحد روافع القوة الوطنية في الخارج .
ومن ثم فإن على السفارات أن تعيد النظر في طريقة تعاملها مع جالياتها واعادة تعريف تلك العلاقة ، وأن تنتقل من مجرد التواصل المناسباتي إلى التمكين والتنظيم والتنسيق ؛ فتتواصل مع أبناء الوطن جميعاً ، وتستمع إليهم ، وتوفر لهم المعلومات والبيانات الموثقة ، وتدعم المبادرات الوطنية البناءة ، وتفتح المجال أمام الكفاءات والشباب والنساء ، وتنسق الجهود التي يمكن أن تسهم في دعم السودان وإعادة بناء مؤسساته وخدماته واقتصاده .
وعليها كذلك أن تستخدم ما يتاح لها من أدوات دبلوماسية وقانونية لحماية أبناء الجالية من الإجراءات الكيدية أو التضييق غير المشروع بسبب نشاطهم السلمي في الدفاع عن وطنهم ، ما داموا ملتزمين بقوانين الدول التي يقيمون فيها.
لكن التمكين لا يعني أن تتحول السفارات إلى أدوات حزبية ، ولا أن تفرض على الجاليات موقفاً سياسياً موحداً ؛ وإنما يعني أن تُفسح المجال أمام الوطنيين للعمل من أجل السودان ، وألا تجعل الخلاف السياسي ذريعة لتعطيل الأغلبية أو شل المبادرات الوطنية .
فالجالية تنظيم خدمي واجتماعي للجميع ، وليست منصة للعمل الحزبي .
ولكل سوداني حقه في الانتماء لحزبه ورأيه السياسي خارج مؤسسات الجالية ، أما داخلها فينبغي أن يكون معيار العمل هو خدمة السودانيين والدفاع عن مصالح الوطن في إطار القانون .
والتوافق لا يعني الوقوف على مسافة واحدة بين الوطني والرمادي أو المحايد
ولا ينبغي أن يصبح شعار التوافق وإرضاء الجميع غاية تتقدم على المصلحة الوطنية .
فالتوافق مطلوب في القضايا التي تحتمل تعدد الآراء والاجتهادات ، أما عندما يتعلق الأمر بسيادة السودان ووحدة أراضيه ورفض العدوان وحماية المدنيين واستعادة مؤسسات الدولة ، فإن “الوقوف على مسافة واحدة” بين من يدافع عن وطنه ومن يعمل على تقويضه ليس حياداً إيجابياً ، وإنما قد يتحول إلى تعطيل للموقف الوطني وإضعاف له .
وليس مطلوباً من السفارات أن تصنع خصومة مع أحد ، ولا أن تمنع أحداً من التعبير السلمي عن رأيه ، ولكن المطلوب منها ألا تسمح لقلة منظمة بأن تختطف صوت الجالية الوطني ، أو تفرض عليها خطاباً يتناقض مع توجهات أهل السودان ، وألا تجعل السعي إلى إرضاء الجميع سبباً في تحييد الوطنيين الذين يريدون إسناد دولتهم ومؤسساتها وجيشها .
فالحياد ليس فضيلة في كل الأحوال .
وعندما يكون الموقف بين الحق والباطل ، وبين المعتدي والضحية ، وبين الدولة التي تدافع عن وجودها وتمرد يستهدف إسقاطها ، فإن ما يسمى بالحياد قد يتحول عملياً إلى تخلٍّ عن نصرة الحق ، أو إلى خدمة للرواية التي يريد المعتدي تسويقها .
ولذلك فإن شعار “لا للحرب” في صورته المجردة لا يكفي لوصف الحالة السودانية ؛ لأن السؤال الذي يسبق الدعوة إلى وقف الحرب هو : من بدأ الحرب ؟ ومن اعتدى ؟ ومن يشن حربا علي الدولة والمجتمع ؟ ومن يتحمل مسؤولية الانتهاكات والدماء ؟
أما الشعار الأكثر عدلاً واتزاناً فهو :
لا للتمرد .. لا للعدوان .. لا لاستهداف المدنيين .. لا للحرب على السودان .
فالسلام الحقيقي لا يُبنى بتجاهل المعتدي ، ولا بمساواة الضحية بالجلاد ، وإنما بإدانة العدوان ومعالجة جذور الحرب ، وإعادة بناء الدولة على أساس المواطنة وسيادة القانون .
وفي المقابل، فإن على أبناء الجاليات السودانية الوطنيين في الخارج أن يدركوا أن دورهم لا يحتاج دائماً إلى انتظار توجيه من سفارة أو إشارة من جهة سياسية .
الوطن أكبر من السفارة ، وأكبر من الأحزاب ، وأكبر من الخلافات الشخصية والتنظيمية .
فمن أراد أن ينصر السودان ، فليبدأ من موقعه ؛ ومن أراد أن يدافع عن وطنه ، فليستخدم ما يملك من معرفة وعلاقات وتأثير .
وعلى الوطنيين في الخارج أن يعيدوا ترتيب صفوفهم ، وأن ينشئوا منصات للتواصل والتنسيق ، وأن يطلقوا المبادرات الوطنية ، وأن يتحركوا وفق قوانين الدول التي يقيمون فيها ، وأن يخاطبوا البرلمانات ووسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني ومراكز الأبحاث ، وأن يشرحوا حقيقة ما يجري في السودان ، ويدافعوا عن سيادته ووحدته ومؤسساته الوطنية ، ويسهموا في كشف التضليل والانتهاكات .
كما يمكنهم أن يستقطبوا الدعم اللازم للخدمات والتنمية وإعادة الإعمار ، وأن يوظفوا علاقاتهم وخبراتهم في خدمة السودان في مجالات الصحة والتعليم والإغاثة والإعمار والاستثمار والتكنولوجيا وغيرها .
وهذا الدور لا ينبغي أن يقتصر على إسناد المعركة العسكرية ، وإنما يمتد إلى إسناد الدولة والمجتمع ومؤسساتها المدنية والخدمية ، والاستعداد المبكر لمرحلة التعافي وإعادة البناء .
إن السودان يمتلك دياسبورا واسعة من العلماء والأطباء والمهندسين والأكاديميين ورجال الأعمال والإعلاميين والدبلوماسيين والطلاب والشباب والنساء ، وهي طاقات يمكن أن تتحول ، إذا أحسن تنظيمها، إلى قوة ناعمة سودانية حقيقية تدافع عن الوطن ، وتساند مؤسساته ، وتخدم مشروع إعادة بنائه .
وقد قدم أبناء السودان في الخارج الكثير لأهلهم ووطنهم ، ولهم أيدٍ سلفت ، ودين يستحق التقدير والاحترام والوفاء والجزاء .
لكن المطلوب اليوم دور مختلف وجهد مضاعف ، لا يتحقق بالمزيد من الانقسام والمعارك الصغيرة والمكاسب الذاتية ، وإنما بإعادة تعريف الوجود السوداني في الخارج باعتباره امتداداً حياً للوطن وجبهة متقدمة في معركة الوعي والدفاع عن الحقيقة والمصالح الوطنية .
وهنا يأتي دور السفارات في تمكين هذه الطاقات ، وتنسيقها ، وتوفير المعلومات الموثوقة لها ، وفتح قنوات التواصل بينها وبين مؤسسات الدولة ، دون أن تتحول الجاليات إلى منصات حزبية أو سياسية .
كما أن على السفارات أن تدرك أن الجالية الحية والمنظمة ليست عبئاً إدارياً ، وإنما ثروة دبلوماسية وشعبية يمكن أن تضيف الكثير إلى حضور السودان ومصالحه في الدول المضيفة .
وفي المقابل ، على الجاليات ألا تنتظر دائماً أن تأتيها المبادرة من السفارة ؛ بل عليها أن تأخذ زمام المبادرة ، وتنظم صفوفها ، وتستثمر طاقاتها ، وتبادر إلى كل ما يمكن أن يخدم الوطن ومؤسساته وشعبه ، في حدود القانون وبعيداً عن الحزبية والاستقطاب .
فمعركة السودان ليست معركة الجيش وحده ، وإن كان الجيش هو المؤسسة الوطنية التي تحمل السلاح في الخطوط الأمامية للدفاع عن الدولة والأرض والسيادة .
إنها معركة الدولة والمجتمع والشعب والوعي والهوية والسيادة .
والجيش الذي يقاتل في الميدان يحتاج إلى إعلام واسناد طني في الخارج ، وإلى دبلوماسية شعبية ، وإلى جاليات حية ، وإلى أصوات سودانية غيورة تعرف كيف تخاطب العالم بلغته وقوانينه ومؤسساته .
وفي زمن المحن ، لا تُقاس الوطنية بكثرة الشعارات ، وإنما بقدر ما يقدمه الإنسان لوطنه حين يحتاج الوطن إليه .
ومن لا يستطع أن يحمل السلاح ، يستطيع أن يحمل الحقيقة ؛ ومن لا يستطع أن يقاتل في الميدان ، يستطيع أن يقاتل التضليل والسلبية ؛ ومن لا يستطع أن يعود إلى السودان ، يستطيع أن يكون للسودان حيث هو .
فلتنهض دياسبورا السودان بمزيد من الحركة والإسناد ، ولتنهض جالياته ، ولتكن حيث يجب أن تكون :
مع الوطن .. مع الدولة .. مع الجيش .. مع السيادة .. ومع حق السودان في أن يعيش آمناً ، حراً ، عزيزاً ، ومستقلاً .

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.