ثانوية الحرب… حين يصبح النجاح في الامتحان فضيحةً للدولة! كوداويات ================ ✍️ محمد بلال كوداوي
ثانوية الحرب… حين يصبح النجاح في الامتحان فضيحةً للدولة!
كوداويات
================
✍️ محمد بلال كوداوي

في السودان لم يعد السؤال:
من انتصر في الحرب؟
السؤال الأهم أصبح:
أين امتحن أبناء المنتصرين؟!
فقد خرج علينا وزير الاستثمار في الدعم السريع مهنئاً ابنيه بنجاحهما في امتحانات الشهادة السودانية التي أُجريت في الخرطوم، بينما كان التحالف الذي ينتمي إليه قد نظم امتحانات بديلة في نيالا!
وهنا يقف المواطن السوداني حائراً أمام هذا المشهد العبثي:
الوزارة تقول إن أبناء قادة تأسيس شاركوا في امتحانات الشهادة السودانية في الخرطوم، وعددهم 299 طالباً، بينما قيادات التحالف نفسها تتحدث عن امتحانات بديلة في مناطق سيطرتها.
فأيُّ دولة هذه التي تستطيع أن تخوض حرباً ضد نفسها، ثم تتفق فجأة على الشهادة السودانية؟!
يبدو أن الحرب في السودان لها استثناءات عجيبة.
الجيش والدعم السريع مختلفان في كل شيء تقريباً، لكن يبدو أن هناك شيئاً واحداً يجمعهما:
الشهادة السودانية!
القادة يتقاتلون، والوزراء يتبادلون الاتهامات، والبلاد ممزقة، والمدن مدمرة، والملايين مشردون، ثم عندما يصل الأمر إلى مستقبل الأبناء:
يا جماعة، الامتحانات دي ما عندها علاقة بالحرب!
وهنا تظهر الكارثة الحقيقية.
ليست المشكلة في أن أبناء المسؤولين نجحوا. من حق كل طالب أن يمتحن وينجح.
المشكلة أن الدولة نفسها أصبحت عاجزة عن تفسير أي شيء.
كيف يمكن أن تكون هناك سلطة تقول إن امتحاناتها شرعية، وسلطة أخرى تنظم امتحانات بديلة، ثم نجد أبناء قيادات الطرف الآخر يمتحنون في مؤسسات الدولة التي يحاربونها، ويحصلون على نتائجها، ثم يأتي والد أحدهم ليعلن النتيجة بكل أريحية؟
هذا ليس مجرد تناقض سياسي… هذا تلخيص كامل لحالة الدولة السودانية!
دولة لا تستطيع أن تحدد أين تبدأ سلطتها وأين تنتهي سلطة خصومها.
دولة تُدار بالحرب في الميدان، وبالتفاهمات السرية في الامتحانات، وبالاستثناءات عندما يتعلق الأمر بأبناء أصحاب النفوذ.
أما المواطن العادي؟
فليذهب إلى الجحيم مع أوراق النزوح، وانقطاع الكهرباء، وغلاء المعيشة، وضياع التعليم، وانهيار الخدمات.
ثم يقولون لك: الدولة موجودة!
نعم، موجودة… لكن يبدو أنها موجودة في كشف نتيجة الشهادة السودانية فقط!
يا لها من مفارقة سودانية بامتياز:
بلد يتقاتل قادته على السلطة، لكن أبناء القادة جميعاً يجدون طريقهم إلى الامتحان.
المواطن العادي قد لا يجد مستشفى، ولا مدرسة، ولا أمناً، ولا خبزاً، ولا حتى سقفاً فوق رأسه.
لكن أبناء أصحاب القرار؟
الشهادة أولاً… والحرب لاحقاً!
وهنا لا بد أن نسأل السؤال الذي ربما يكون أكثر أهمية من نتيجة الـ299 طالباً:
إذا كان أبناء القادة يستطيعون الدراسة والجلوس للامتحان في الخرطوم، فمن الذي يخوض هذه الحرب إذن؟
الإجابة المؤلمة:
أبناء المواطن الغلبان.
أما أبناء أصحاب القرار، فحياتهم يبدو أنها تسير وفق نظام مختلف تماماً.
وهكذا أصبح السودان الدولة الوحيدة التي يمكن أن تكون فيها الحرب شاملة والاستثناءات أشمل!
والأكثر إثارة للسخرية أن كل طرف يتحدث عن الوطنية والسيادة ومستقبل السودان،
بينما المواطن ينظر إلى هذا المشهد ويقول:
إذا كانت الحرب لا تمنع أبناء القادة من التعليم والامتحانات والنجاح، فلماذا يدفع أبناء الفقراء وحدهم ثمنها؟
هذه ليست قضية امتحانات فقط.
إنها مرآة عارية لدولة فقدت هيبتها
ومؤسسات فقدت قدرتها على فرض معيار واحد على الجميع، ونخب سياسية وعسكرية تتعامل مع السودان كأنه ملكية خاصة، بينما المواطن هو الوحيد الذي يُطلب منه دفع الفاتورة.
يا سادة، لا توجد دولة محترمة بميزانين: ميزان للمواطن، وميزان لأبناء القادة.
أما أن نتقاتل باسم السودان، ثم نختلف على كل شيء ونتفق فقط عندما يتعلق الأمر بمستقبل أبنائنا، فهذه ليست دولة.
هذا هو الهوان السوداني في أكثر صوره سخريةً
