منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي
آخر الأخبار
البعد_الاخر د. مصعب بريــر الشهادة السودانية بقطرة دم: ابتزاز الطلاب لتغطية الانهيار الصحي ..! زاوية خاصة نايلة علي محمد الخليفة البرهان الذي تنكر لخوة الكاكي وغازل الساسة أمواج ناعمة تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (٨٥) د. ياسر محجوب الحسين ⭕ *من الهامش* ✍️ بشرى بشير الصحة في سنار.. بين «النيران الصديقة» ومعركة التعا... الحلنقي بعيون الطيب عبد الماجد... حين تصبح الأغنية وطنا============= ✍️د. الشاذلي ع... خبر و تحليـل : عمار العركي ================= ملاحظات في خطابات ملتقى الإعلاميين: رسائل ما بعد الحرب ... التعاونيات السودانية… من الماضي إلى المستقبل"؟ تعقيب على مقال المستشار عبد الكريم جعفر==============... إحياء الحركة التعاونية في السودان (10 والأخير) أي تعاونيات نريد للسودان؟ من تجارب الماضي إلى نموذج... شرق الجزيرة تكتب المجد.. أفراح الشهادة السودانية تتوّج مسيرة التفوق ================ ✍࿠... وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي ================= المخابرات وصاحبة الجلالة

البعد_الاخر د. مصعب بريــر الشهادة السودانية بقطرة دم: ابتزاز الطلاب لتغطية الانهيار الصحي ..!

0

البعد_الاخر
مصعب بريــر
الشهادة السودانية بقطرة دم: ابتزاز الطلاب لتغطية الانهيار الصحي ..!

 

هل فكرت يوماً في المسافة التي تفصل بين النوايا الحسنة والقرارات القاتلة؟ في كثير من الأحيان، لا تأتي الأزمات من غياب الحلول، بل من اختيار الحلول الصحيحة في التوقيت الخطأ، أو تطبيقها على الأشخاص الخطأ. يبدو الأمر وكأنك تملك بوصلة دقيقة جداً، لكنك تقف في سفينة تغرق؛ معرفة الاتجاهات لن تمنعك من الغرق إذا لم تسد الثقوب التي يتدفق منها الماء أولاً.

هذا ليس تنظيراً مجرداً، بل هو واقع نلامسه اليوم ونحن نقرأ خبراً تناقلته الأوساط الصحية، وأكده تقرير منشور بصحيفة الخرطوم في عددها رقم 1821. الخبر يقول باختصار إن وزارة الصحة تتجه لإلزام جميع الطلاب المتقدمين لامتحانات الشهادة السودانية بإجراء فحوصات طبية للكشف عن الإيدز، والتهاب الكبد، والسفلس، كشرط أساسي لاستكمال التقديم واستخراج أرقام الجلوس. الهدف المعلن مغرٍ وجميل: بناء قاعدة بيانات، معرفة معدلات الانتشار الحقيقية التي تُقدر عشوائياً بنحو 200 ألف مصاب، وتوجيه التدخلات الوقائية. هذا هو ظاهر القرار، لكن دعونا نغوص قليلاً لنرى ما نخسره اليوم بصمت تحت غطاء هذه النوايا الطيبة.

السبب الأول الذي يراه متخذ القرار هو ضرورة سد الفجوة في المعلومات. نظامنا الصحي متعب، والحرب أضعفت الرصد، فكان التفكير في استغلال “تجمهر” طلاب الشهادة السودانية كفرصة ذهبية لعمل مسح شامل. النتيجة المباشرة لهذا التفكير هي ربط مصير أكاديمي بحت، بوضع صحي عام. لكن ما لا يُرى هنا، وما يختبئ خلف لغة البروتوكولات الطبية، هو أننا نعالج فشل نظام التبليغ الوبائي بوزارة الصحة عبر تحميل فاتورته لطلاب في السابعة عشرة من عمرهم. انظر كيف تسللت نتيجة انهيار النظام الصحي لتلد أزمة اجتماعية واقتصادية جديدة لدينا اليوم.

تعالوا ننزل إلى الشارع، إلى المواطن البسيط الذي طحنته ظروف الحرب الاقتصادية. هل سأل مُصدر القرار نفسه: من أين سيدفع أبٌ نازح، أو أسرة فقدت مصدر دخلها، تكاليف هذه الفحوصات الباهظة؟ نحن نتحدث عن مئات الآلاف من الطلاب الموزعين في ولايات وأطراف نائية، حيث تنعدم المعامل المؤهلة والمعتمدة لإجراء مثل هذه الفحوصات الحساسة. هذا يعني أن الطالب سيضطر للسفر، وتكبد تكاليف المواصلات والسكن، والبحث عن معمل معتمد، فقط ليثبت خلوه من الأمراض حتى يُسمح له بحمل قلمه ودخول قاعة الامتحان. هذا مثل الذي يطلب من رجل بالكاد يقف على قدميه أن يتبرع بالدم ليثبت أنه حي.

لا أحد ينكر أهمية محاربة هذه الأمراض، ولا أحد يقلل من حاجة الوزارة لبيانات دقيقة. ولكن، لماذا يدفع طالب الشهادة فاتورة هذا الانهيار؟ المؤسسات الصحية فقدت قدرتها على قراءة المؤشرات عبر القنوات الطبيعية، وبدلاً من إصلاح هذا النظام المتهالك وتفعيل الرصد في المستشفيات وبنوك الدم ومراكز الرعاية، تم اختيار الحل الأسهل إدارياً والأقسى إنسانياً. هناك تجارب دولية ناجحة جداً في المسوحات الصحية لتحديد معدلات الانتشار، لكنها لا تستهدف فئة معينة بسيف الإلزام الأكاديمي، بل تتم عبر دراسات مجتمعية علمية، تتحمل الدولة والمنظمات تكاليفها، ولا تُرهب الأسر أو تساومها على مستقبل أبنائها.

وهنا، تتجمع كل هذه الخيوط لتشير إلى مفارقة حزينة وموجعة. نحن أمام نظام يريد أن ينهض، لكنه يتكئ بكل ثقله على أكتاف جيل منهك، ينتظر امتحاناً مصيرياً في ظل ظروف هي الأقسى في تاريخ البلاد. إن تحويل قاعة الامتحان إلى عيادة فحص إجباري لن يعالج الوباء، بل سيصنع وباءً جديداً من العجز والحرمان، حيث قد يتسرب آلاف الطلاب من التعليم لا لشيء، إلا لأنهم لا يملكون ثمن تذكرة السفر وقيمة الفحص.

بعد اخير:

خلاصة القول، عندما تفقد مؤسسات الدولة بوصلتها، تصبح أسهل الحلول هي تلك التي تُمرر فاتورة العجز الإداري إلى جيب المواطن. إن البحث عن قاعدة بيانات صحية فوق أوجاع الناس ليس إنجازاً علمياً، بل هو هروب صريح من مسؤولية إصلاح النظام الذي أنتج هذا الجهل بالأرقام في المقام الأول.

أخيرًا، نحن لا نشفي المجتمع حين نساوم أبناءه على حقهم في التعليم بقطرة دم. نحن فقط نُخبر هذا الجيل المنهك، أن في هذا الوطن، حتى الحلم بمستقبل، يحتاج إلى شهادة براءة من أمراض الدولة، قبل أمراض الجسد.

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.

ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
musapbrear@gmail.com

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.