إحياء الحركة التعاونية في السودان (10 والأخير) أي تعاونيات نريد للسودان؟ من تجارب الماضي إلى نموذج تعاوني جديد للمستقبل ================ المستشار عبدالكريم جعفر الحسن خبير في المشاريع التنموية والتنمية المستدامة
إحياء الحركة التعاونية في السودان (10 والأخير
أي تعاونيات نريد للسودان؟
من تجارب الماضي إلى نموذج تعاوني جديد للمستقبل
================
المستشار عبدالكريم جعفر الحسن
خبير في المشاريع التنموية والتنمية المستدامة

نصل اليوم إلى المقال العاشر والأخير من هذه السلسلة، التي حاولنا من خلالها أن نتوقف عند واقع الحركة التعاونية في السودان، ونستفيد من تجارب الماضي، وننظر إلى بعض التجارب العالمية، ثم نبحث معًا عن الطريق الذي يمكن أن يقودنا إلى تعاونيات سودانية أكثر قوة واستدامة.
وبعد تسعة مقالات تناولنا فيها جوانب مختلفة من الحركة التعاونية؛ من أهميةالتعاونيات، وتجارب بعض الدول، والإدارة والتمويل، إلى التسويق والقيمة المضافة، ثم ثقافة التعاون والعمل الجماعي، نصل اليوم إلى السؤال الأهم:
إذا كنا نريد إحياء الحركة التعاونية في السودان، فأي تعاونيات نريد؟
هل نريد أن نعيد تجربة الماضي كما كانت؟ أم نريد أن نستنسخ تجارب دول أخرى؟ أم أننا بحاجة إلى بناء نموذج تعاوني سوداني جديد، يستفيد من تجاربنا القديمة، ويتعلم من تجارب الآخرين، ويستجيب لواقع السودان واحتياجاته الحالية؟
في تقديري، الخيار الأخير هو الأقرب للنجاح التعاونيات ليست مجرد جمعيات أحد الأخطاء التي يجب أن نتجاوزها هو النظر إلى الجمعيةالتعاونية باعتبارها مجرد مجموعة من الأشخاص يساهم كل واحد منهم بمبلغ من المال ثم ينتظر نصيبه من الأرباح.
التعاونية الناجحة أكبر من ذلك بكثير.
هي مؤسسة اقتصادية يمتلكها أعضاؤها، وتعمل لخدمتهم، وتستطيع أن تنتج، وتموّل، وتشتري، وتخزن، وتصنّع، وتسوق، وتصدر، وتستثمر، وتخلق فرص العمل وهنا يجب أن يتغير مفهومنا للتعاونيات من مجرد نشاط اجتماعي محدود إلى قوة اقتصادية حقيقية.
ماذا تعلمنا من تجارب الماضي؟
عندما أتذكر بعض التعاونيات التي عرفناها في السودان في سنوات مضت، أتذكر كيف كان الآباء يجتمعون لإنشاءتعاونيات للقوارب والمراكب الصغيره ، والحافلات، والمتاجر، وغيرها من الخدمات التي يحتاجون إليها لم تكن لديهم رؤوس الأموال الكبيرة ولم تكن لديهم التقنيات الحديثة ولم تكن لديهم الإمكانات الإدارية المتاحة اليوم.
لكن كانت لديهم حاجة حقيقية، وثقة متبادلة، واستعداد للعمل الجماعي، وإصرار على النجاح.
وهذه نقطة مهمة للغاية نجاح التعاونيات لا يبدأ دائمًا من حجم رأس المال، وإنما يبدأ من وضوح الحاجة، وصحة الفكرة، والثقة، وحسن الإدارة.
ماذا نأخذ من تجارب العالم؟
وفي المقابل، فإن العالم قدم لنا نماذج متقدمة يمكن أن نتعلم منها رأينا كيف تحولت بعض التعاونيات الزراعية إلى مؤسسات ضخمة تقوم بتوفير المدخلات والتمويل،والتجميع، والتخزين، والتصنيع، والتعبئة، والتسويق والتصدير ورأينا كيف يستطيع المزارع الصغير، عندما يعمل ضمن منظومة تعاونية قوية، أن يصل إلى أسواق قد لا يستطيع الوصول إليها بمفرده لكن التعلم من الآخرين لا يعني نسخ تجاربهم.
فلكل دولة ظروفها، ولكل مجتمع ثقافته، ولكل اقتصاد احتياجاته نحن بحاجة إلى أن نستفيد من تجارب العالم، ولكن علينا أن نبني نموذجًا يتناسب مع السودان فما هو النموذج الذي نحتاجه؟
في تقديري، نحتاج إلى تعاونيات تقوم على مجموعة من المبادئ الواضحة:
أولاً: تعاونية مستقلة
لا ينبغي أن تتحول التعاونية إلى واجهة سياسية أو قبلية أو جهوية التعاونية ملك لأعضائها، وهدفها اقتصادي وتنموي واضح.
ثانيًا: الإدارة بالكفاءة
لا ينبغي أن يكون حجم مساهمة الشخص هو المعيار الأساسي لاختياره لإدارة المؤسسة نحتاج إلى أصحاب الخبرة والمعرفة والكفاءة، مع وجود رقابة ومحاسبة حقيقية.
ثالثًا: رأس مال قوي ومستدام
لا يمكن بناء مؤسسة اقتصادية قوية برأس مال ضعيف ثم استنزافه في المصروفات أو توزيعه قبل أن تنمو المؤسسة رأس المال يجب أن ينمو، والأرباح يجب أن يكون لها نصيب في التوسع والاستثمار.
رابعًا: الارتباط بالإنتاج الحقيقي
التعاونيات التي نحتاجها اليوم يجب أن تكون مرتبطة بالإنتاج. الزراعة، والثروة الحيوانية، والصناعات الغذائية، والخدمات، والنقل، والتخزين، والتصنيع وغيرها نحن لا نحتاج إلى تعاونيات تستهلك الوقت والموارد في الإجراءات فقط، وإنما إلى تعاونيات تنتج وتضيف قيمة حقيقية للاقتصاد.
خامسًا: التسويق الجماعي
المزارع أو المنتج الفرد غالبًا ما يكون ضعيفًا أمام السوق لكن عندما تتجمع منتجات مئات أو آلاف المنتجين، تصبح الجمعية قادرة على التفاوض، والتخزين، والفرز، والتعبئة، والنقل والوصول إلى الأسواق الكبيرة.
وهنا تتحول التعاونية من مجرد وسيط إلى شريك حقيقي للمنتج.
سادسًا: التخزين والتصنيع والقيمة المضافة
لا ينبغي أن يكون هدفنا بيع المحصول بمجرد حصاده نحتاج إلى تخزينه عندما يكون ذلك أفضل اقتصاديًا، وتصنيعه عندما تكون القيمة المضافة مجدية، وتعبئته وتسويقه بصورة تليق بالأسواق المحلية والعالمية فالاقتصاد القوي ليس هو الذي ينتج أكثر فقط، وإنما هو الذي يحتفظ بجزء أكبر من قيمة ما ينتجه.
سابعًا: عضو تعاوني واعٍ
لا يمكن أن تنجح التعاونية إذا كان العضو لا يعرف حقوقه وواجباته يجب أن يعرف العضو أين تذهب أمواله، وكيف تتخذ القرارات، وكيف تحسب الأرباح والخسائر، وما مسؤوليات مجلس الإدارة، وما حقوقه في المساءلة.
ثامنًا: الشفافية والمحاسبة
الثقة مهمة جدًا، لكنها وحدها لا تكفي الثقة الحقيقية تحتاج إلى نظام محاسبي واضح، وتقارير دورية، ومراجعة مستقلة، وشفافية في المشتريات والمبيعات والاستثمارات، وآليات واضحة للمساءلة فالرقابة ليست اتهامًا لأحد، وإنما حماية للجميع وما دور الدولة؟الدولة لها دور مهم، ولكن عليها أن تعرف حدود هذا الدور نحتاج إلى دولة تسهل ولا تعرقل، وتشجع ولا تهيمن، وتضع القوانين وتحميها، وتدعم الإنتاج وتفتح الأسواق يمكن للدولة أن تقدم الحوافز، وتيسر الأراضي والمقار، وتمنح التسهيلات الجمركية والضريبية حيثما كان ذلك مناسبًا، وتدعم البنية التحتية، وتوفر المعلومات والإرشاد، وتساعد في فتح الأسواق الخارجية لكن إدارة التعاونية يجب أن تبقى لأعضائها الدولة تهيئ البيئة، وأعضاء التعاونية يصنعون النجاح من تعاونيات صغيرة إلى قوة اقتصادية كبيرة ومن أهم الأفكار التي أرى أننا بحاجة إليها في السودان: ألا تعمل كل تعاونية بمعزل عن الأخرى قد تبدأ التعاونية صغيرة في قرية أو منطقة أو مجموعة مزارعين.
لكن لماذا لا تتعاون التعاونيات نفسها؟
تعاونية للمنتجين يمكن أن تتحد مع تعاونية للتسويق، وأخرى للتصنيع، وأخرى للخدمات اللوجستية، وصولًا إلى اتحادات ومؤسسات اقتصادية كبيرة قادرة على المنافسة وبذلك ننتقل من تعاونيات صغيرة متفرقة إلى شبكة اقتصادية تعاونية قوية.
السودان لا يحتاج إلى إعادة اختراع الفكرة
التعاون ليس فكرة جديدة على السودانيين بل إن تاريخنا يحمل نماذج تؤكد أن روح التعاون كانت موجودة في المجتمع، وأن الناس استطاعوا في ظروف صعبة أن يجمعوا إمكاناتهم المحدودة ليحققوا أهدافًا لم يكن الفرد قادرًا على تحقيقها وحده.
والسؤال اليوم ليس:هل يستطيع السودانيون التعاون؟
بل السؤال هو:
كيف نحول روح التعاون الموجودة في المجتمع إلى مؤسسات اقتصادية حديثة ومنظمة ومستدامة؟
لدينا اليوم خبرات علمية وإدارية وتقنية أكبر مما كان متاحًا لآبائنا ولدينا وسائل اتصال وتسويق وتمويل وتقنيات إنتاج وتخزين وتصنيع لم تكن موجودة من قبل ولهذا فإن الفرصة أمامنا أكبر.
الخلاصة
بعد هذه السلسلة من المقالات، أعتقد أننا لا نحتاج إلى تعاونيات جديدة بالاسم فقط، وإنما نحتاج إلى عقلية تعاونية جديدة.
نحتاج إلى أن ننتقل:
من الفرد إلى المجموعة ومن المنافسة الداخلية إلى التكامل.
ومن بيع المنتج الخام إلى صناعة القيمة ومن رأس المال الصغير المتفرق إلى رأس مال تعاوني متنامٍ ومن الإدارة التقليدية إلى الإدارة بالكفاءة.
ومن الشك إلى الشفافية ومن الاعتماد الكامل على الدولة إلى الشراكة معها ومن تعاونيات متفرقة إلى منظومة اقتصادية متعاونة لسنا بحاجة إلى استنساخ تجارب الآخرين، ولا إلى العودة إلى تعاونيات الماضي كما كانت؛ بل نحتاج إلى بناء نموذج تعاوني سوداني جديد، يستفيد من تجارب آبائنا، ويتعلم من نجاحات العالم وإخفاقاته، ويضع المنتج والمستهلك والمجتمع في قلب العملية الاقتصادية وأرى أن السودان، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها، بحاجة إلى هذه الروح أكثر من أي وقت مضى.
فالتعاونيات يمكن أن تكون وسيلة لتنظيم الإنتاج، وحماية المنتج، وتوفير التمويل، وخلق فرص العمل، وتحقيق القيمة المضافة، وتحريك الاقتصاد المحلي، والمساهمة في بناء اقتصاد أكثر توازنًا واستدامة.
وفي النهاية:
التعاونية الناجحة ليست مجموعة أشخاص جمعتهم المساهمات، وإنما مجموعة أشخاص جمعتهم الثقة والهدف، وأداروا أموالهم ومصالحهم بعلم وأمانة وكفاءةولعل أجمل ما نختم به هذه السلسلة:
التعاون ليس أن نجتمع حول المال، وإنما أن نجتمع حول هدف، ونختلف في الرأي، ونتفق على المصلحةوالسودان الذي نريده يحتاج إلى تعاونيات لا تجمع الناس فقط، وإنما تبني الإنسان، وتحمي المنتج، وتخلق الثروة، وتوفر فرص العمل، وتساهم في بناء اقتصاد قوي ومستدام.
المستشار عبدالكريم جعفر الحسن
خبير في المشاريع التنموية والتنمية المستدامة
abdulkarim.jalhassan@gmail.com
