البعد_الاخر د. مصعب بريــر امتياز المهن الصحية : الشهادة تمنح اللقب.. والتدريب ينقذ الأرواح ..!
البعد_الاخر
د. مصعب بريــر
امتياز المهن الصحية : الشهادة تمنح اللقب.. والتدريب ينقذ الأرواح ..!
هل راقبت يوماً ذلك النجار الماهر في حارتكم؟ إنه لم يتعلم حرفته من قراءة كتاب عن أنواع الأخشاب، بل من الوقوف طويلاً بجوار “أسطى” خبير، يراقب كيف ينثني الخشب، ويتحسس خشونته، ويتعلم متى يضرب بالمطرقة ومتى يسحب المسمار. في الطب والمهن الصحية، ننسى أحياناً هذه القاعدة البسيطة للحياة. نعتقد أن الشهادة الجامعية هي نهاية الرحلة، بينما هي في الحقيقة مجرد إذن بالوقوف على بداية الطريق.
يقودنا هذا إلى صلب نقاش كنت مدعواً لحضوره إسفيرياً قبل أيام، لكن، وكما هي تفاصيل واقعنا السوداني، وقف ضعف شبكة الإنترنت وانقطاع الكهرباء حائلاً بيني وبين الشاشة. كان الاجتماع يضم وكيل وزارة الصحة الاتحادي، د. علي بابكر، ود. زكي محمد البشير، الأمين العام لمجلس المهن الطبية والصحية، ومديرة تنمية الموارد البشرية د. أمل عبده. كانوا يناقشون أمراً يمس كل بيت في السودان: كيف ندرب خريجينا في فترة “الامتياز”؟ هذا ليس حديثاً إدارياً جافاً عن لوائح وقوانين، بل هو حديث مباشر عن الأيدي التي ستُمسك بأرواحنا غداً.
في الظاهر، تبدو القصة كالتالي: لدينا أعداد متزايدة من خريجي الكليات الطبية والصحية، ومن الطبيعي أن تتدفق هذه الأمواج البشرية نحو المستشفيات لقضاء فترة الامتياز. لكن النتيجة المباشرة التي نراها يومياً، هي أن مستشفياتنا المنهكة تستقبل هؤلاء الشباب بحماس، ليس لتدريبهم، بل لسد النقص الحاد في الكوادر. وما لا يُرى في هذه الدوامة، هو أننا حوّلنا “الامتياز” من فترة صقل وتأهيل وتوريث للخبرة، إلى مجرد ورديات عمل مرهقة لخريج يبحث عن طريق. هكذا تتسلل أزمة التعليم التي بدأت قبل سنوات، لتلد لنا اليوم أزمة أعمق في غرف الطوارئ.
دعونا ننزل بهذا الحديث إلى أرض الواقع. تخيل أنك أخذت سيارتك لمهندس ميكانيكي حفظ كل كتالوجات السيارات عن ظهر قلب، لكنه لم يفك “لستكاً” واحداً تحت إشراف مهندس خبير. هل
ستأتمنه على سيارتك في سفر طويل؟ فكيف نأتمن من لم يكتمل تدريبه العملي على أجسادنا؟ عندما يحمل أب طفله المحموم ويركض به نحو أقرب مستشفى في الثانية صباحاً، هو لا يسأل عن درجات الطبيب او الممارس الطبى في الجامعة، بل يبحث عن يد ثابتة، وعين خبيرة، وقرار سريع وصائب. هذا الثبات لا يُولد في قاعات المحاضرات، بل يُصنع في تلك الساعات الطوال من التدريب العملي الموجه والمراقب.
لذلك، جاءت مخرجات ذلك الاجتماع بطلب إعداد استراتيجية لخمس سنوات، وتكوين لجنة تنسيقية لاعدادها خلال شهرين للاستفادة من التجارب الدولية، كخطوة في الاتجاه الصحيح. فإذا نظرنا خارج “الحوش” إلى الدول التي نجحت في بناء أنظمة صحية قوية، سنجد أنها لا تترك فترة الامتياز للصدفة. في بريطانيا أو ماليزيا مثلاً، الخريج يمر بمسار دقيق (Logbook)، يُقيّم فيه يومياً ليس فقط على معلوماته الطبية، بل على قدرته على التواصل، وأخلاقيات المهنة، وكيفية اتخاذ القرار تحت الضغط، كل ذلك تحت إشراف استشاريين واختصاصيين متواجدين فعلياً، لا مجرد أسماء على كشوفات الحضور.
هنا تتجمع كل هذه الخيوط لتشير إلى حقيقة واحدة، وهي أن الاستثمار في المورد البشري وإعادة هيكلة فترة الامتياز ليس ترفاً، بل هو خط الدفاع الأول عن المواطن. تطوير المناهج دون تطوير التدريب العملي وربطه بمخرجات التعليم كـ”عام امتياز” يقضيه الممارس بالمؤسسات الصحية تحت اشراف وزارة الصحة و المجلس المهنى المختص، كمن يبني جسراً متيناً ثم يتركه بلا أسوار حماية؛ السقوط منه مسألة وقت ليس إلا.
بعد اخير:
خلاصة القول، نحن قادرون على تشييد أضخم المستشفيات، واستيراد أحدث أجهزة الرنين المغناطيسي، وطباعة أشهى شهادات التخرج وأكثرها أناقة. لكن كل هذا سيبقى مجرد حديد بارد وحبر على ورق، إذا كانت الأيدي البشرية التي تديرها تفتقر إلى الحكمة الصامتة التي لا تُكتسب إلا بالممارسة الحقيقية والتوجيه الصارم.
اخيراً، الصحة في جوهرها ليست علماً نحفظه لنستعرضه، بل هو حياة نُؤتمن على حمايتها. وعندما نتساهل في تدريب من يحرسون حياتنا، فنحن لا نُفشل مهنة عريقة فحسب، بل نحن نوقّع، وبصمت تام، على شهادات وفاتنا.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
#البُعد_الآخر | د. مصعب بريــر
musapbrear@gmail.com
