من هنا : تبدأ محاربة الفساد ================ ✍️ كتب/ حسن البصير
من هنا : تبدأ محاربة الفساد
================
✍️ كتب/ حسن البصير

▪️الفساد ليس مجرد تجاوزٍ مالي أو مخالفةٍ إدارية عابرة، بل هو خطر يتسلل إلى جسد الدولة حتى يهدد مؤسساتها وثقة المواطن بها. فعندما تتحول الوظيفة العامة من أمانة إلى غنيمة، والخدمة العامة إلى مجال للمحسوبية، والمعاملة إلى سلعة لا تُنجز إلا بمقابل، يصبح الفساد أكبر من مجرد سلوك فردي؛ إذ يتحول إلى خلل يضرب أساس العدالة ويقوّض مبدأ تكافؤ الفرص. وحين يصبح القرب من المسؤول أهم من الكفاءة، والواسطة أقصر الطرق إلى الوظيفة، والرشوة مفتاحاً لإنجاز المعاملات، تفقد المؤسسات معناها، ويصبح المواطن هو الضحية الأولى.
▪️والأخطر من وجود الفاسد أن يتحول الفساد إلى ممارسة مألوفة يتعايش معها المجتمع، فيصبح من يبحث عن حقه مضطراً إلى دفع المال، ومن يرفض الرشوة معطلاً لمصالحه، ومن يلتزم بالقانون ساذجاً في نظر الآخرين. وهنا تبدأ الخطورة الحقيقية؛ حين يفقد الناس حساسيتهم تجاه الخطأ، ويتحول السكوت عن الفساد إلى صورة من صور التعايش معه، وربما المشاركة فيه بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
ومحاربة هذه الظاهرة لا تكون بالشعارات، وإنما بإصلاح مؤسسي حقيقي يبدأ باختيار الموظف على أساس الكفاءة والنزاهة، وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص، وإحكام الرقابة على المال العام، وتبسيط الإجراءات الإدارية حتى لا تتحول التعقيدات إلى أبواب للابتزاز واستغلال حاجة المواطنين. كما أن الأمر يتطلب إنشاء آليات فعالة وسرية للإبلاغ عن الرشاوى والتجاوزات، وحماية المبلّغين، والتحقيق الجاد في البلاغات، ومحاسبة كل من تثبت إدانته وفق القانون، أياً كان منصبه أو نفوذه.
▪️واجتثاث عناصر الفساد لا يعني تصفية الحسابات أو إطلاق الاتهامات جزافاً، وإنما يعني الاحتكام إلى القانون والأدلة والتحقيق المستقل، حتى تكون المحاسبة عدلاً لا انتقاماً، وحتى لا تتحول مكافحة الفساد نفسها إلى وسيلة للظلم أو التشهير. فالعدالة الحقيقية لا تفرق بين صاحب نفوذ ومواطن بسيط، ولا تجعل المنصب أو العلاقات الاجتماعية حصانة من المساءلة.
▪️أما المجتمع، فعليه أن يدرك أن مقاومة الفساد تبدأ من رفض المشاركة فيه؛ فلا ندفع رشوة، ولا نطلب واسطة للحصول على حق ليس لنا، ولا نحمي فاسداً لمجرد القرابة أو الصداقة أو الانتماء. فالدولة النزيهة لا يصنعها القانون وحده، وإنما يصنعها أيضاً مجتمع يرفض أن يكون شريكاً في إفسادها، ويؤمن بأن احترام القانون ليس ضعفاً، وأن النزاهة ليست سذاجة، وأن الحق لا يحتاج إلى واسطة كي يصبح حقاً.
▪️وتزداد خطورة الفساد في أوقات الحروب والأزمات، حين تضيق سبل الناس وتتسع فرص الاستغلال. ففي مثل هذه الظروف يظهر النفعيون وسماسرة الأزمات، أولئك الذين يكتنزون المال من معاناة الضحايا، ويرتدون أحياناً أثواب المقاتلين أو يتحدثون باسم القضايا الوطنية، بينما تكون مصالحهم الحقيقية مرتبطة بما تدرّه الحرب من مكاسب. إنهم يقتاتون من قوت الغلابة، ويستغلون حاجة الناس وخوفهم وضعفهم، فيتحول وجع المجتمع بالنسبة إليهم إلى فرصة للثراء.
▪️ما أكثر سماسرة الحروب في زمنٍ تنتهك فيه القيم، ويُستهان فيه بالشرف، وتُهدَر فيه كرامة الإنسان. فالحرب لا تكشف فقط عن حجم الخسائر في الأرواح والممتلكات، بل تكشف أيضاً عن معادن الناس؛ فمنهم من يرى في الأزمة مسؤولية أخلاقية تجاه أهله ووطنه، ومنهم من يراها سوقاً مفتوحة للمصالح والمكاسب. وبين هؤلاء وأولئك يبقى المواطن البسيط هو الأكثر دفعاً للثمن
