همسة فجرية حين يسمو القلب بالعفو ================ ✍️ د. الشاذلي عبد اللطيف
همسة فجرية
حين يسمو القلب بالعفو
✍️ د. الشاذلي عبد اللطيف

في ساعات الفجر، حين نرفع أكفنا نرجو عفو الله وعافيته، لنتأمل حال قلوبنا إذا بلغنا مرض من أساء إلينا. هل نحفظ ألسنتنا من الشماتة، ونجد في نفوسنا سعة للدعاء له؟ هنا تظهر مجاهدة النفس، ويشرق معنى العفو الذي ندعو إليه ونرجو أجره.
لا نستطيع أن نتحكم في مشاعر الناس، ولكننا نستطيع أن نذكر أنفسنا وإخواننا بالشرع. قال تعالى: ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾. فالخصومة لا تسقط واجب العدل، والظلم الذي أصابنا لا يبيح لنا الاعتداء.
وإظهار الشماتة بالسخرية من مرض الإنسان وإهانته بسبب ضعفه يخالف حرمة المسلم وأدب الإيمان. قال سبحانه: ﴿لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم﴾. أما الفرح بانقطاع أذى الظالم، فقد أجازه أهل العلم، ولا يبيح ذلك التعيير أو التجريح.
ولا نجزم بأن مرض شخص بعينه عقوبة إلهية؛ فهذا غيب لا نعلمه. ولعل مرضه يوقظ ضميره، ويفتح له باب التوبة ورد الحقوق.
وقد رفع القرآن منزلة العفو، فقال: ﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾، ووصف المتقين بقوله: ﴿والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين﴾. وقال النبي ﷺ: «وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا» رواه مسلم.
وفي سيرته ﷺ، حين اشتد عليه أذى أهل الطائف، اختار الإمهال ورجاء الهداية لذريتهم، فظلت الرحمة حاضرة رغم الألم.
والدعاء للمريض بالشفاء والهداية إحسان نرجو أجره، ويمكن أن نجمعه مع المطالبة بحقوقنا. ندعو أن يشفيه الله، ويصلح قلبه، ويوفقه لإنصاف من ظلمهم.
العفو اختيار صاحب الحق، ولا يملك أحد إسقاط حقوق الآخرين. ومن طالب بحقه بعدل فلا يلام، ومن عفا وأصلح فليستبشر بوعد ربه.
فلنحفظ ألسنتنا، ولنستحضر حاجتنا إلى عفو الله: ﴿وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم﴾.
اللهم اشف المرضى، وانصر المظلومين، ورد الحقوق إلى أهلها، واهد من ظلم إلى التوبة والإنصاف، وأعنا على كظم الغيظ، وطهر قلوبنا من القسوة، وألسنتنا من الشماتة، وارزقنا عفوا يصلح ورحمة ترضيك.
