خبر وتحليل : عمار العركي تحدي القضبان والحرمان
خبر وتحليل : عمار العركي
تحدي القضبان والحرمان

يلتقي تكريم الطلاب المتفوقين من نزلاء سجن بورتسودان مع حكاية الطالب سعدالدين صلاح كوكو، في رسالة إنسانية واحدة: النجاح الذي يولد وسط المعاناة لا ينبغي أن يمرّ بصمت، بل يستحق أن يُرى ويُشجَّع ويُبنى عليه.
كان سعدالدين العائل الوحيد لأسرته، ويعمل في غسل سيارات الجهاز القضائي. وعندما أُعلنت نتيجة الشهادة السودانية، اتصل علي أحد القضاة كان يداوم علي غسل سيارته، وأبلغه بنجاحه بنسبة 83% أحياء هندسية .احتفت به أسرة الجهاز القضائي بحضور رئيس الجهاز ، وقدمت له شهادة تقديرية ومكافآت مالية، تقديرًا لإرادته وإصراره على مواصلة التعليم رغم قسوة الظروف.
في ذات السياق ، كرّم جهاز المخابرات العامة في ولاية البحر الأحمر، بالتنسيق مع إدارة السجون، عددًا من الطلاب المتفوقين من نزلاء سجن بورتسودان. وقد نجح هؤلاء الطلاب، رغم أوضاعهم الصعبة، في مشهد يثبت أن الطموح لا يتوقف بالضرورة خلف القضبان، وأن التعليم يمكن أن يكون نافذة حقيقية نحو مستقبل مختلف.
هذه المبادرة تقدم صورة أخرى عن السجون؛ صورة تركز على التعليم والإنجاز وإمكانات الإصلاح، بدل حصر أخبار النزلاء في العقوبة والجريمة. كما تعيد إلى الأذهان تجربة تسعينيات القرن الماضي، في عهد وزير الداخلية الشهيد الزبير محمد صالح، حين طُبقت فكرة إطلاق سراح السجين الذي يحفظ القرآن ويجوّده، إلى جانب تكريم الحفظة.
وإذا كان حفظ القرآن قد فتح آنذاك بابًا للأمل أمام بعض النزلاء، فلماذا لا تمتد الفكرة إلى التعليم النظامي؟ يمكن توفير الكتب والمعلمين وبرامج المراجعة للراغبين في الدراسة، ومنح المتفوقين حوافز تشجعهم على الاستمرار. كما يمكن، وفق الضوابط القانونية، اعتماد النجاح والتفوق في امتحانات الشهادة السودانية ضمن معايير بحث تخفيف العقوبة أو الإفراج عن بعض النزلاء.
فالتعليم داخل السجون ليس ترفًا، ويمكن أن يحوّل فترة العقوبة إلى فرصة للتعلم واكتساب مهارة وشهادة، تساعد النزيل على العودة إلى المجتمع وبدء حياة جديدة. لذلك، لا ينبغي أن يتوقف الأمر عند تكريم المتفوقين، بل يجب أن يصبح التعليم جزءًا أساسيًا من حياة السجون.
إن السجن الذي يتيح التعليم لا يكتفي بتنفيذ العقوبة، والسجين الذي ينجح يثبت أن الإنسان قادر على استعادة مستقبله متى وجد الفرصة والدعم. ومن هنا يبرز السؤال: لماذا لا نجعل من كل سجن فرصة لتعليم من يريد، ومن كل نجاح داخله خطوة أقرب إلى حياة أفضل خارجه؟
