من حوار الأمس إلى حوار ما بعد حرب الكرامة السودان بين الدولة والأيديولوجيا واستحقاق المستقبل ✍️د. الشاذلي عبداللطيف
من حوار الأمس إلى حوار ما بعد حرب الكرامة
السودان بين الدولة والأيديولوجيا واستحقاق المستقبل
✍️د. الشاذلي عبداللطيف

ليس الحوار الوطني في السودان ترفًا سياسيًا، ولا مناسبة موسمية تُستدعى كلما ضاقت الخيارات، وإنما هو في جوهره سؤال عن الدولة نفسها: كيف تُحكم؟ وعلى أي أساس تُبنى شرعيتها؟ وكيف تتعايش داخلها التعددية السياسية والفكرية والاجتماعية دون أن تتحول اختلافاتها إلى صراع يهدم الدولة من داخلها؟
ومن هذه الزاوية، فإن استدعاء تجربة الحوار الوطني في مطلع تسعينيات القرن الماضي، ومقارنتها بما يحتاجه السودان في مرحلة ما بعد حرب الكرامة خلال 2026–2027، لا ينبغي أن يكون استدعاءً للتاريخ بغرض المحاكمة وحدها، وإنما لاستخلاص الدروس من تحولات تجاوزت ثلاثة عقود.
### حوار التسعينيات: البحث عن مشروع للدولة
دخل السودان عقد التسعينيات في ظروف سياسية وأمنية واقتصادية شديدة التعقيد. كانت الحرب في جنوب السودان تمثل أحد أكبر تحديات الدولة، بينما ظلت أزمة الهوية والعلاقة بين المركز والأطراف، وطبيعة الحكم، وتوزيع السلطة والثروة، حاضرة في عمق الصراع الوطني.
وفي ذلك المناخ برزت محاولات الحوار والمؤتمرات السياسية والفكرية باعتبارها أدوات للبحث عن صيغة تعيد ترتيب الدولة والمجتمع.
لكن المعضلة الأساسية آنذاك كانت أن السياسة السودانية لم تكن مجرد تنافس على البرامج، بل كانت ساحة صراع بين مشروعات أيديولوجية كبرى: المشروع الإسلامي، والتيارات القومية، والأحزاب التقليدية، واليسار، والحركات المسلحة، إلى جانب قضية الجنوب بما حملته من أبعاد سياسية وثقافية وهوياتية.
ولذلك كان السؤال المركزي يدور حول: *أي مشروع يحكم السودان؟*
وهنا تكمن إحدى أهم مشكلات التجربة السودانية؛ إذ تحولت الدولة في مراحل مختلفة إلى ساحة تتنافس عليها الأيديولوجيات، بينما كان المطلوب أن تكون الدولة إطارًا وطنيًا أعلى يستوعبها جميعًا.
### بعد حرب الكرامة: تغير السؤال
أما السودان الذي يخرج من حرب الكرامة، فهو يواجه واقعًا أكثر تعقيدًا وخطورة.
فالحرب لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل كشفت هشاشة تراكمت عبر عقود في مؤسسات الدولة، وفي البناء السياسي، وفي الاقتصاد، وفي العلاقة بين المركز والأقاليم، كما كشفت خطورة وجود القوة المسلحة خارج الإطار المؤسسي للدولة.
ولهذا فإن الحوار الوطني في 2026–2027، إذا أُريد له أن يؤسس لمرحلة تاريخية جديدة، يجب ألا يعيد إنتاج أسئلة الماضي.
لم يعد السؤال: *من يحكم السودان؟*
بل أصبح السؤال الأهم:
*كيف نبني دولة سودانية لا يستطيع أحد أن يهدمها مرة أخرى؟*
وهذا فارق جوهري بين المرحلتين.
### من صراع الأيديولوجيات إلى عقد الدولة
في التسعينيات كانت الأيديولوجيا في قلب الصراع السياسي. أما اليوم، فإن الأولوية ينبغي أن تنتقل من صراع المشروعات العقائدية إلى بناء *مشروع الدولة الوطنية*.
الإسلامي، واليساري، والقومي، والليبرالي، والمستقل، والحركات السياسية المختلفة، جميعهم من حقهم أن يتنافسوا سياسيًا، ولكن ليس من حق أي طرف أن يجعل بقاء الدولة رهينة لانتصار مشروعه.
الدولة يجب أن تكون أكبر من الحزب، وأبقى من الحكومة، وأقوى من الجماعة والسلاح.
وهذا هو التحول الفكري الذي يحتاج إليه السودان بعد الحرب.
### الجيش والدولة
لقد وضعت الحرب قضية المؤسسة العسكرية في قلب النقاش الوطني. ومن هنا فإن أي حوار لا يحسم قضية *وحدة السلاح واحتكار الدولة للقوة المنظمة* سيترك الباب مفتوحًا لإعادة إنتاج الأزمة.
لا يمكن بناء دولة مستقرة بجيشين، ولا بتشكيلات عسكرية تتعدد ولاءاتها ومصادر قرارها.
القوات المسلحة يجب أن تكون مؤسسة قومية محترفة، تحمي الدستور والسيادة والحدود، بينما تكون المنافسة السياسية عبر الأحزاب والانتخابات والمؤسسات المدنية، لا عبر البنادق.
هذه ليست قضية عسكرية فحسب، وإنما أحد أهم شروط وجود الدولة.
### الحوار القادم: لا محاصصة جديدة
أخطر ما يمكن أن يحدث بعد الحرب أن يتحول الحوار الوطني إلى سوق لتوزيع المناصب بين القوى السياسية والمسلحة.
السودان لا يحتاج إلى إعادة تدوير الأزمة بأسماء جديدة.
الحوار الحقيقي يجب أن يناقش قضايا تأسيسية: شكل الدولة، ونظام الحكم، والفيدرالية، والعدالة، والهوية الوطنية، وتوزيع الموارد، وإعادة الإعمار، وعودة النازحين واللاجئين، وبناء المؤسسات، ومستقبل القوات المسلحة، والعلاقة بين الدين والدولة، وآليات الانتقال إلى حكم دستوري مستقر.
ويجب ألا يقتصر الحوار على النخب التي اعتادت الجلوس حول موائد السياسة. فالسودان الذي دفع ثمن الحرب أكبر من الأحزاب: فيه الشباب والنساء والإدارات الأهلية والمجتمع المدني والجامعات والمهنيون ورجال الأعمال والمزارعون والعمال والنازحون، وكل هؤلاء أصحاب مصلحة في الدولة الجديدة.
### السودان أمام فرصة أخيرة لصناعة التاريخ
الفرق بين حوار الأمس وحوار الغد يجب ألا يكون في أسماء المشاركين، وإنما في *الفلسفة التي يقوم عليها الحوار*.
في الماضي بحثنا طويلًا عن المشروع السياسي الذي ينتصر.
أما اليوم، فعلينا أن نبحث عن الدولة التي تتسع للجميع.
لقد أثبت التاريخ السوداني أن انتصار حزب لا يعني انتصار الوطن، وأن إسقاط حكومة لا يعني بناء دولة، وأن الاتفاق السياسي الذي لا تعضده مؤسسات قوية قد يسقط عند أول أزمة.
ولهذا فإن المهمة بعد حرب الكرامة ليست العودة إلى السودان القديم، وإنما تأسيس السودان الذي كان ينبغي أن نبنيه منذ الاستقلال: دولة مؤسسات وقانون، جيش واحد، مواطنة متساوية، عدالة مستقلة، اقتصاد منتج، وأقاليم تشعر بأنها شريكة في الوطن لا أطرافًا تنتظر نصيبها من المركز.
إن الحوار الوطني القادم قد يكون واحدًا من أهم الحوارات في تاريخ السودان الحديث.
فإما أن نجعله *حوارًا لتأسيس الدولة*، وإما أن نضيف اتفاقًا جديدًا إلى أرشيف الاتفاقات السودانية التي وُقعت ثم انهارت.
وبعد كل الدماء والدمار والنزوح الذي عاشه السودانيون، لم يعد التاريخ يمنحنا ترف تجربة الفشل مرة أخرى.
*السودان اليوم لا يحتاج إلى منتصر سياسي ومهزوم سياسي؛ بل يحتاج إلى وطن ينتصر فيه الجميع بانتصار الدولة.*
