مطلوب وكيل وزارة… هل المقعد شاغر حقا؟ ✍️ د. الشاذلي عبداللطيف
مطلوب وكيل وزارة… هل المقعد شاغر حقا؟
✍️ د. الشاذلي عبداللطيف

أسوأ ما يمكن أن تفعله مؤسسة بموظفيها أن تطلب منهم صعود السلم درجة درجة، ثم تفاجئهم بأن الوصول إلى الطابق الأخير لا يحتاج إلى سلم، بل إلى معرفة صاحب المصعد! عندها تتحول سنوات الخدمة إلى تمرين طويل على الصبر، ويصبح الإعلان عن الوظيفة سؤالا عن جدوى العمر الذي أنفقه الناس في انتظار استحقاق مهني.
هذه هي المفارقة التي يثيرها الإعلان التنافسي عن وظيفة وكيل وزارة: هل يفتح بابا للكفاءة، أم يختصر الطريق فوق رؤوس أصحاب الخبرة؟ وهل الدفاع عن التدرج حماية للمؤسسة، أم حماية لطابور قد يقف في مقدمته الأقدم دون أن يكون الأقدر؟
الإنصاف يقتضي ألا نحول الأقدمية إلى قداسة. فليس كل من أمضى ثلاثين عاما في المكتب قد جمع ثلاثين عاما من الخبرة؛ بعضهم كرر السنة الأولى ثلاثين مرة، حتى صار يعرف تاريخ الأثاث أكثر مما يعرف مستقبل المؤسسة! وفي المقابل، ليس كل قادم من خارج الوزارة غريبا عن الإدارة؛ فقد يحمل معرفة تحتاجها، وشجاعة افتقدتها، وقدرة على تحريك ما استقر طويلا تحت لافتة: «هكذا وجدنا العمل».
لكن الوزارة ليست متجرا نغير مديره فتنتعش المبيعات، والمواطن ليس زبونا نعوضه عن تعطل مصالحه بقسيمة خصم. ووكيل الوزارة ليس وجها جديدا لصورة جماعية، بل مسؤول عن تحويل السياسات إلى عمل، وحماية انتظام المؤسسة، وضبط مواردها، وصون مهنيتها وسط تغير القيادات والتوجهات.
لهذا لا تكفي لهذا الموقع سيرة ذاتية أنيقة، ولا عرض تقديمي تتراقص فيه مفردات «التحول» و«التمكين» و«الحوكمة». فاللوائح لا تنبهر بالإنجليزية، والموازنة لا تتوازن بالتصفيق، والملف المتعطل لا يتحرك لأن المسؤول الجديد أعاد تسميته «تحديا استراتيجيا».
ومع ذلك، فالمشكلة ليست في الإعلان من حيث المبدأ؛ المشكلة في فلسفته وضماناته. لماذا اختير التنافس المفتوح؟ ما الخبرة المطلوبة؟ كيف توزن المعرفة المؤسسية؟ ومن يختار، وبأي معيار، وأمام من يفسر اختياره؟
الإعلان وحده لا يمنح النزاهة، كما أن نشر موعد الامتحان لا يثبت أن الإجابات لم توزع قبله. وإذا كانت المنافسة حقيقية، فإنها تستحق الترحيب؛ أما إذا سبق الاسم الإعلان، فإننا أمام مسرحية مكلفة، يدفع المتقدمون ثمنها من وقتهم وأملهم وكرامتهم المهنية.
يتقدم أحدهم بملف خبرته، ويقضي الليالي في إعداد تصور للنهوض بالوزارة، ثم يكتشف، إن كانت الإجراءات صورية، أن المؤسسة احتاجت إليه لإكمال عدد المتنافسين، لا لاحتمال اختياره. وهكذا ينتقل من صاحب مشروع إلى شاهد على نزاهة لم تتح له فرصة اختبارها!
ولا يصح اتهام مسابقة بعينها بأنها محسومة دون دليل. لكن الثقة العامة لا تبنى بطلب حسن الظن وحده؛ تبنى بمعايير معلنة، وإجراءات مفهومة، ونتائج يمكن تفسيرها. وحين تغيب هذه الضمانات، لا يكفي أن تقول الجهة: «اخترنا الأنسب»، ثم تعامل السؤال عن أسباب الاختيار كأنه خروج على الأدب الإداري.
أما العقد المحدد المدة، فليس عصا سحرية للإصلاح. قد يربط البقاء بالإنجاز، وقد يربطه برضا صاحب التجديد. والاستقرار الوظيفي بدوره قد يحمي الاستقلال المهني، وقد يتحول إلى وسادة للنوم. ما يصنع الفارق هو وضوح المسؤولية وجدية المحاسبة، لا تبديل المسميات على الأبواب.
نحتاج إلى إصلاح يحترم الخبرة دون أن يؤله الأقدمية، ويستقطب الكفاءة دون أن يهين أبناء المؤسسة. إصلاح يبدأ بتحديد طبيعة المنصب وشروطه، ويمنح الخبرة المتراكمة وزنها، ويخضع الاختيار لتقييم مستقل، ويتيح التظلم من إجراءاته.
فالسودان يحتاج خدمة مدنية يطمئن الموظف فيها إلى عدالة الطريق، ويطمئن المواطن إلى كفاءة من يصل إلى نهايته. أما أن نرفع شعار تكافؤ الفرص، بينما تختلف مفاتيح الأبواب باختلاف الأسماء، فإننا نستهلك ما تبقى من ثقة الناس في الدولة.
أعلنوا عن الوظائف، وافتحوا باب المنافسة، واختاروا الأقدر على خدمة الوطن؛ ولكن تأكدوا أولا أن المقعد شاغر حقا.
فمن حق الناس، قبل أن يكتبوا طلبات التقديم، أن يعرفوا: هل تبحثون عن وكيل للوزارة، أم عن متنافسين لاستكمال أوراق تعيينه؟
