الشَّهِيدُ أَبُوبَكْرُ المَاحِي… فَارِسٌ مَضَى وَبَقِيَ أَثَرُهُ بقلم ✍️:حسبو علي بخيت
الشَّهِيدُ أَبُوبَكْرُ المَاحِي… فَارِسٌ مَضَى وَبَقِيَ أَثَرُهُ
بقلم ✍🏼:حسبو علي بخيت

ليس الرثاءُ أن نبكيَ رجلاً غاب، فالبكاءُ أضعفُ ما يُهدى إلى الرجال؛ وإنما الرثاءُ أن نكشفَ للناس معدنَ رجلٍ إذا حضرَ حضرَت معه المروءة، وإذا تكلّمَ تكلّمَ الأدب، وإذا عاهدَ صدق، وإذا نازلَ الخطرَ لم يتراجع، وإذا نادى الواجبُ لبّاه غيرَ هيّابٍ ولا وَجِل.
امَّاتَكْ عَزَازْ فِي عِزَّةْ مَاكْ مَشْرُوكَة
وَأَبْوَاتَكْ رُتُوتْ مَا هَزُّوا فَوْقْ دَلُوكَة
وَاحِدِينْ فِي الْمَجَالِسْ حَلْحَلُوا الْمَشْبُوكَة
وَاحِدِينْ صَادَفُوا الْخَيْلْ الْبَقِيفَنْ رُوكَة
وهكذا كان الشهيد أبوبكر الماحي؛ أخاً عزيزاً، ورجلاً نبيلاً، وصنديداً من صناديد السودان، جمع الله له بين شجاعة القلب، ونظافة اليد، وكرم السجية، وحسن السيرة. فما عرفناه إلا بشوشَ المحيّا، طيّبَ الثنايا، كريمَ الخصال، رفيعَ الأدب، نقيَّ السريرة، صادقَ الموقف، وفيّاً إذا عاهد، ثابتاً إذا اشتدّ البلاء.
كان من أولئك الرجال الذين لا يحتاجون إلى أن يقولوا للناس: نحن هنا؛ لأن آثارهم تقول ذلك عنهم، ومواقفهم تشهد لهم، وسيرتهم تسبق أسماءهم.
دخل ميدان الشرطة السودانية، فكان فيها مثالاً لرجل الشرطة الذي لا يختزل رسالته في الزيّ الرسمي، ولا يجعل وظيفته مجرد مهنة، بل يحملها أمانةً وشرفاً وخدمةً للناس. وتنقّل في عدد من ولايات السودان، فكان أينما حلّ كالغيث؛ لا يسأل الأرضَ مَن يسكنها، وإنما يسقيها؛ ولا يختار بين الناس، وإنما ينفعهم جميعأ.
كان حضوره أنساً، ومعاملته إحساناً، وأخلاقه عنواناً لرجلٍ تربّى على معاني الرجولة قبل أن يتعلّم تفاصيل الوظيفة.
ثم كانت محطته الأخيرة في المباحث الجنائية، شعبة مكافحة الاتجار بالبشر؛ حيث وقف في واحدة من أشقّ ميادين العمل الأمني والإنساني، في مواجهة الجريمة وحماية الضعفاء وصيانة كرامة الإنسان.
وهناك، كأنما أراد القدر أن يختم صحيفته بمشهد يليق ببدايته؛ أن يكون آخر ما يكتبه بمداد حياته هو موقفٌ من مواقف الثبات والفداء.
وحين اشتدّت الخطب والبلوي، وامتدّت يد الفوضى، وقف الشهيد أبوبكر حيث ينبغي للرجل أن يقف؛ مدافعاً عن العرض، والنفس، والمال، وعن حرمة البيت والوطن. لم يحنِ جبينه للعدوان، ولم يطأطئ رأسه للتهديد، ولم يجعل الخوف ميزاناً لموقفه.
مضى ثابتَ الجنان، شامخَ الموقف، عزيزَ النفس؛ حتى ارتقى شهيداً في ولاية الجزيرة، تاركاً وراءه سيرةً لا تُطوى بطيّ الكفن، ولا تُغلق بمغادرة الجسد، ولا تنتهي بانتهاء العمر.
أيها الشهيد أبوبكر…
لقد غبتَ عن أعيننا، ولم تغب عن قلوبنا؛ ورحلتَ عن دنيانا، ولم ترحل عن ذاكرتنا؛ وسكت صوتك، لكن مواقفك ستظل تتحدث عنك ما بقي في السودان قلبٌ يعرف معنى الشجاعة، وضميرٌ يعرف معنى الوفاء.
لقد أخذ الموتُ جسدك، لكنه لم يأخذ سيرتك؛ وأخذك من بين أيدينا، لكنه عجز أن يأخذك من بين قلوبنا وصفحات الذاكرة.
سلامٌ عليك يوم حملتَ الأمانة، وسلامٌ عليك يوم صنتَ العهد، وسلامٌ عليك يوم وقفتَ في وجه الخطر، وسلامٌ عليك يوم ارتقيتَ شهيداً، وسلامٌ عليك يوم تُبعث حيّاً عند ربك مع الكرام البرره.
وما أعظم أن يمضي الرجلُ تاركاً وراءه أثراً يذكّر الناس بأنه مرّ من هنا.
فيا أبناء السودان، إن سيرة الشهيد أبوبكر الماحي ليست قصة رجلٍ مات فحسب؛ بل هي صفحةٌ من صفحات الرجولة ينبغي أن تُقرأ، وموقفٌ من مواقف الفداء ينبغي أن يُروى، ونموذجٌ في الأدب والأخلاق والشجاعة يستحق أن تتعلم منه الأجيال.
فإن كانت المناهج تربي العقول، فإن سيرة الرجال تربي الضمائر.
وسيرة الشهيد أبوبكر تقول للصغار قبل الكبار: إن الرجولة ليست صخباً، ولا ادعاءً،؛ إنما الرجولة ثباتٌ عند الشدة، ووفاءٌ عند العهد، وشجاعةٌ عند الخطر، ورحمةٌ عند القدرة.
رحم الله أخي الشهيد أبوبكر الماحي (سليل الخليفة الماحي وسبط الشريف ماء العينين) فقد كان في حياته غيثاً هطال، وفي عمله أمانةً، وفي خُلُقه مدرسةً، وفي موقفه بطولةً، وفي رحيله وجعاً لا يُنسى.
يمضي الخيارُ وتنقضي آجالُهمُ
لكنَّ شمسَ صنيعِهم لا تغربُ
يمضي الرجالُ، وتبقى مناقبُهم؛
وتُطوى الأعمارُ، وتبقى المآثر؛
ويغيبُ أصحابُ الأجساد، وتحيا مواقفهم.
فنم قريرَ العين يا (أبا سناء ويسرا) فقد تركتَ من خلفك قلوباً تحبك وتنفطر حزنا على رحيلك، وألسنةً تذكرك، وسيرةً تشهد لك، وأثراً لا تمحوه السنون.
اللهم تقبّل أخي أبوبكر الماحي شهيداً عندك، واكتبه في أعلى جنانك، وارفع درجته في المهديين، واجعل قبره روضةً من رياض الجنة، واجمعه بالصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.
اللهم اربط على قلوبنا، وألهمنا جميعا وكل أفرادِ الأسرة الكريمة وإخوانه في الشرطة السودانية ومحبيه الصبر الجميل، واجبر كسرنا في فقده، واخلف علينا فيه خيراً، ولا تحرمنا أجره، ولا تفتنّا بعده.
رحمك الله يا زين المحاسن والفضائل والشمائل والجمائل والسماحة والمكارم وتقبّلك في أعلى مراتب الشهداء، وجعل دماءك الزكية شاهدةً لك، وجعل آخر عهدنا بك دعاءً، وأجمل ما يبقى منك فينا وفاءً.
ما مات من ترك في القلوب حياة، ولا غاب من ترك في التاريخ أثراً، ولا انطفأ من جعل من موقفه سراجاً يهتدي به من بعده.
سلامٌ على روحك الطاهرة…
وسلامٌ على سيرتك العطرة…
وسلامٌ على موقفك الذي سيظل يقول للأجيال القادمة:
هنا مرَّ رجلٌ اسمه أبوبكر الماحي.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
