منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

زاوية خاصة نايلة علي محمد الخليفة الفاتك ألحقو بأولادك

0

زاوية خاصة

نايلة علي محمد الخليفة

الفاتك ألحقو بأولادك

في مجالس القرى ، يتحلق الأهالي حول البرش في جلسات أنس غير مرتب لها ، لا بروتوكول فيها ولا حرس ولا ميكروفونات ولا هواتف للتصوير ، يتحدثون عن أحوالهم ومآلهم ، وعن الغلاء وعن الأولاد ، عن أحلام صغيرة تبدو في نظر أصحابها كبيرة بحجم هذا الزمن ، سأل أحدهم الآخر ، إنت داير شنو؟ ، فأجاب الرجل ببساطة تختصر وجع شعب كامل ، داير أخت صفحتي دي فوق سريري بأمان ، ما اشيل هم حق الأكل والشراب وأحمد الكريم علي النعمة ، وأعلم أولادي احسن تعليم ، قالوا الفاتك ألحقوا بأولادك ، تاني ما بهمني يحكم البرهان ولا ولا الكيزان بس ما يجونا جماعة القراي وحميدتي.

لم يكن الرجل يطلب وزارة ، ولا سيارة حكومية ، ولا امتيازاً استثمارياً ، ولا حتى وظيفة في مؤسسة سيادية ، كان يريد فقط أن يأمن على يومه ، وأن يجد ما يطعم به أبناءه ، وأن يستطيع تعليمهم ، ثم يترك السياسة لأهل السياسة.

وهنا تكمن المفارقة التي يبدو أن بعض أهل القرار لم ينتبهوا إليها بعد ، المواطن السوداني لم يعد يطالب بحياة مترفة ، بل بحياة محتملة تجعله يعيش على حد الكفاف ، فالاقتصاد بالنسبة للمواطن ليس معدل نمو ولا مؤشراً كلياً ولا جدولاً في تقرير وزارة المالية ، الاقتصاد هو كم بقي في جيبه بعد شراء الخبز والخضار ؟ ، وهل يستطيع شراء الدواء؟ ، وهل ماتبقى يكفي لأجرة المواصلات ؟ ، وهل يستطيع دفع رسوم المدرسة لصغاره ؟ ، وهل يصل راتبه إلى نهاية الشهر أم ينتهي في منتصف الطريق ويترك صاحبه يكمل الشهر بالدعاء؟ ، المواطن لا يعيش على البيانات ، كلما ارتفعت الأسعار ، جاءته تفسيرات جديدة ، وكلما تراجع سعر العملة ، قيل له إن الظروف استثنائية ، وكلما ضاقت معيشته ، ذُكّر بالحرب وتداعياتها ، نعم الحرب فعلت ما فعلت بالاقتصاد ، ولا عاقل ينكر أثرها ، لكنها لا يمكن أن تتحول إلى إذن مفتوح لتعليق كل إخفاق عليها إلى ما لا نهاية ، الحكومات لا تُختبر عندما تكون الخزينة ممتلئة والأسواق مستقرة ، وإنما عندما تضيق الموارد وتتعاظم الاحتياجات.

هنا يأتي السؤال عن حكومة كامل إدريس ، ماذا تفعل لإنقاذ معاش الناس؟ ، ليس المطلوب منها أن تخترع اقتصاداً جديداً ، وإنما أن تدير الموجود بكفاءة ، المطلوب سياسة واضحة لضبط الأسواق ، ومحاربة الاحتكار والمضاربة ، وتوجيه الإنفاق نحو الإنتاج والخدمات الأساسية ، وإعادة تحريك الزراعة والصناعة والثروة الحيوانية ، وتسهيل حركة التجارة ، وتقليل الرسوم والجبايات التي تجعل المنتج يدفع ، والتاجر يدفع ، والمستهلك يدفع ، ثم تسأل الحكومة في النهاية لماذا ارتفعت الأسعار؟ ، أما وزارة المالية ، فمسؤوليتها أكبر من مطاردة المواطن في الأسواق بحثاً عن رسوم جديدة ، فالوزارة التي تبحث عن الإيرادات في جيب المواطن كلما احتاجت إلى المال تشبه من يحاول ملء خزان مثقوب بزيادة سرعة صب الماء ، المطلوب هو توسيع قاعدة الإيرادات ، وإيقاف الهدر ومحاربة الفساد ، وضبط الإنفاق ، وإغلاق منافذ التسرب، ومراجعة الأولويات ، وربط المال العام بما ينتج كقيمة حقيقية .

لا يحتاج المواطن إلى وزير مالية يشرح له لماذا ارتفع سعر السلعة ، فهو يعرف ذلك قبل أن يصل الخبر إلى الوزارة ، المواطن يحتاج إلى سياسة تجعل السعر ينخفض ، أو على الأقل تمنع تحوله كل صباح إلى مفاجأة جديدة ، لقد أصبح السوداني يذهب إلى السوق وفي ذهنه سؤال واحد ، المرّة دي حأشتري شنو وأخلي شنو؟ ، وهذا السؤال أخطر من كل المؤشرات الاقتصادية، لأن الاقتصاد حين يعجز عن حماية قدرة الناس على شراء الضروريات ، يتحول من قضية أرقام إلى قضية كرامة.

ربما على الحكومة أن تستمع قليلاً إلى مجالس الناس ، لا إلى التقارير المنفوخة من تحت هواء الإسبلت والفريون ، ففي البرش ، بعيداً عن المكاتب المكيفة والاجتماعات الطويلة ، قال رجل جملة تختصر أولويات الدولة كلها ، داير أمان ألقى حق الأكل والشراب ، وأعلم أولادي ، فإن عجزت الحكومة عن تحقيق هذا الحد الأدنى ، فلا بأس أن تترك للرجل بقية السياسة وتذهب غير مأسوف عليها
يحكم البرهان… يحكم أي إنسان… المهم المواطن يلقى حق الأكل والشراب!.. لنا عودة.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.