منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

البعد_الاخر د. مصعب بريــر سقط القلم.. وبقي الأدب: عندما يحرق سباق التفوق سلوك جيل كامل ..!

0

البعد_الاخر
د. مصعب بريــر
سقط القلم.. وبقي الأدب: عندما يحرق سباق التفوق سلوك جيل كامل ..!

في أسواقنا وفي بيوتنا، تعوّدنا أن لا نلتفت إلى الخلل إلا حين ينكسر الشيء تماماً، لكننا نادراً ما نتساءل عما هدم البنيان قبل أن يسقط السقف على رؤوسنا. هل سألت نفسك يوماً لماذا ننتبه إلى القيم المتآكلة فقط حين تصبح حطاماً يهدد أمننا الصغير؟

ما يحدث باختصار هو أن العالم قرر أن يعود خطوة للوراء ليحرس هيبة المعلم وينقذ ما يمكن إنقاذه من سلوك الناشئة، حتى لو كلف ذلك التلميذ سنته الدراسية كلها. هذا ليس حديثاً عن تراب بعيد في إيطاليا أو قوانين أوروبية باردة، بل هو مرآة لما نخسره اليوم بصمت في حوش بيوتنا وفصول مدارسنا عندما نسينا أن التربية تسبق الحرف، وأن الأخلاق هي الحصن الأخير الذي يحمي هذا المجتمع من التصدع.

السبب الأول الذي يراه الجميع ويحرك أصابع الاتهام هو الانفلات المتزايد وجرأة التطاول التي تحولت إلى مشهد مألوف داخل بعض المدارس. وليست هذه قراءة في الهواء، فقد أقرّ البرلمان الإيطالي في سبتمبر 2024 قانوناً صارماً يجبر تلاميذ المرحلتين الإعدادية والثانوية على إعادة السنة إذا هبطت نقطة السلوك إلى خمسة من عشرة، ولو كانت نتائجهم في المواد الدراسية في قمة التفوق، مع فرض غرامات تصل إلى عشرة آلاف يورو على المعتدين على المعلمين.

طبيعي بعد هذا أن تتوالى ردود الفعل، وأن تخرج النقابات الطلابية محذرة من قسوة هذه العقوبات التي أعادت للأذهان ذكريات نظام بينيتو موسوليني. لكن ما لا يُرى في هذا الصراع، هو أن هذا الخلل السلوكي ليس وليد اللحظة، بل هو ثمرة عقود من تراجع دور الأسرة والمجتمع في غرس الاحترام، وحين تعجز البيوت عن التهذيب، تضطر الدولة مكرهة لأن تلبس ثوب الجلاد لتضبط الشارع.

وحين نبحث عن السبب، يرى البعض أن التقصير حكومي بحت، ولكن ألا يتحمل الأب الذي يترك ابنه طوال اليوم بلا توجيه، والمعلم الذي يكتفي بإلقاء الدروس بلا روح، جزءاً من هذه المسؤولية؟ طيب، هذا معناه شنو للمواطن العادي، ولأب يكد ليل نهار ليدفع تكاليف تعليم أولاده؟ معناه أن شهادة ابنك الكبيرة لن تفتح له باباً في الحياة إذا خرج عارياً من الأدب، وأن خسارة سنة دراسية بسبب سوء السلوك أهون بكثير من خسارة إنسان كامل سيعيش ليفسد مجتمعه بجهله وأخلاقه المريضة.

وهكذا نصل إلى اللحظة الحاسمة التي تتقاطع فيها حرية الفرد مع هيبة الجماعة، وتتجمع كل هذه الخيوط لتشير إلى حقيقة واحدة: هل يمكن للقوانين الصارمة وحدها أن تصنع إنساناً سوياً؟

بعد اخير:

خلاصة القول، القوانين مهما بلغت صرامتها لا تستطيع أبداً أن تزرع الاحترام في قلبٍ لم يتعلم كيف يجلّ الآخرين في بيته. عندما نلجأ إلى العقوبات القاسية وتهديد الطلاب بإعادة السنوات الدراسية بسبب سوء السلوك، فهذا إقرارٌ معلن بأننا فشلنا كلياً في توريث القيم بالطرق الإنسانية البسيطة.

اخيراً، نحن لا نُهزم أمام التطور أو تحديات العصر، نحن فقط نصل متأخرين جداً إلى المعركة التي خسرناها يوم استبدلنا هيبة المعلم برقم الامتحان، وتركنا الحوش بلا سياج.

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.

ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

البُعد_الآخر | د. مصعب بريــر
musapbrear@gmail.com

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.