*التعافي الوطني في السودان.. أعينوني بقوة* *شراكة الدولة والمجتمع طريق البناء* *✍️ :فريق شرطة حقوقي محمود قسم السيد*
التعافي الوطني في السودان.. أعينوني بقوة
شراكة الدولة والمجتمع طريق البناء
✍️ :فريق شرطة حقوقي محمود قسم السيد

إن التعافي الوطني بعد الحرب ليس مجرد إعادة إعمار ما تهدّم، بل هو مشروع شامل لإحياء الاقتصاد، وترميم النسيج الاجتماعي، واستعادة الثقة بين الدولة والمجتمع.
وفي هذا السياق، تبرز رؤية البروفيسور عبد المحسن بدوي محمد في مقاله «الدور المجتمعي في التعافي الوطني»، الداعية إلى المبادرة الشعبية وتجاوز انتظار الحلول من القوى السياسية وحدها.
الدولة والمجتمع.. شراكة البناء
تقوم الدولة على ثلاثة أركان: الشعب، والإقليم، والسلطة. ولا يتحقق النهوض بمجرد توافرها، بل بالتكامل بين الدولة والمجتمع؛ فالدولة تحتاج إلى مشاركة المواطنين، والمجتمع يحتاج إلى دولة توفر الأمن والعدالة والخدمات، وتحمي الحقوق وتهيئ بيئة الإنتاج والاستثمار.
وقد أصّل القرآن الكريم لمبدأ التعاون،
قال تعالى:﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 2].
ويتجلى هذا المبدأ في قصة ذي القرنين، حين طلب من القوم المشاركة في بناء الردم الذي يحميهم، فقال:﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ [الكهف: 95].
إنها فلسفة البناء بالتكامل: قيادة تمتلك الرؤية، ومجتمع يشارك بالجهد، وهدف وطني تتوحد من أجله الطاقات.
التعافي يبدأ بمعاش الناس.
إن التعافي الاقتصادي هو مدخل أساسي لاستقرار السودان، من خلال دعم الإنتاج الزراعي والصناعي والحيواني، وتمكين المنتجين، وتشجيع المشروعات الصغيرة الاسر المنتجة والاستثمارات، وإصلاح المؤسسات الاقتصادية، وإعادة تأهيل المستشفيات والمدارس والجسور والمرافق الأساسية،
كما يستحق مقترح تشكيل لجنة عليا مستقلة للتعافي الوطني دراسة جادة، تضم الخبراء رجال الأعمال والمنتجين وممثلي المتضررين من الحرب والشباب والقطاع الخاص والمجتمع المدني، لتنسيق المبادرات، وتحديد الأولويات، وحشد الموارد، بالتعاون مع مؤسسات الدولة.
ويظل نجاح هذا المسار مرهونًا بمحاربة الفساد، وتعزيز الشفافية والمساءلة، وتطوير الخدمات الحكومية رقميًا، وتمكين الولايات والمحليات من إدارة مواردها وتحقيق التنمية المتوازنة.
من محنة الحرب إلى صناعة المستقبل
إن السودان لا يحتاج إلى إعادة بناء المنشآت وحدها، بل إلى استعادة الثقة، وترسيخ المسؤولية المشتركة، وتجاوز الاستقطاب، وتوجيه الجهود نحو مصالح المواطنين.
ولا تعني الشراكة إعفاء الدولة من واجباتها، ولا تحميل المواطن أعباءً تفوق طاقته، بل تعني تكامل الأدوار: دولة فاعلة، ومجتمع مبادر، وقطاع خاص منتج، ومؤسسات خاضعة للمساءلة.
إن نداء المرحلة هو قول ذي القرنين: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾؛ فبالتعاون تتحول المبادرات إلى إنجازات، وتصبح جراح الحرب بدايةً لبناء وطن آمن، واقتصاد منتج، ودولة مؤسسات وعدالة.
والله ولي التوفيق
