منال الأمين الفاداني تكتب الحرب الإثيوبية ما بين المجال والمآل حين تتسع رقعة النار، تضيق فرص النجاة
منال الأمين الفاداني تكتب
الحرب الإثيوبية ما بين المجال والمآل
حين تتسع رقعة النار، تضيق فرص النجاة!
ليست الحروب مجرد طلقات رصاص تتبادلها البنادق، ولا جيوشًا تتقدم وأخرى تتراجع، ولا مدنًا تُفتح وأخرى تُغلق أبوابها في وجه الحياة؛ إنما الحروب، في حقيقتها، زلازل تضرب بنية الدول، وتختبر صلابة الشعوب، وتكشف عورات الأنظمة، وتعيد رسم خرائط النفوذ والمصالح على حساب دماء الأبرياء وأحلام البسطاء.
ومن هنا، فإن النظر إلى الحرب الإثيوبية لا ينبغي أن يقف عند حدود الاشتباكات العسكرية أو الصراعات السياسية الآنية، بل يتجاوزها إلى قراءة أعمق لمجال الحرب ومآلاتها، في بلد تتشابك فيه الإثنيات، وتتقاطع فيه المصالح الإقليمية، وتثقل تاريخه صراعات الهوية والسلطة والحدود.
فأين يتسع مجال الحرب الإثيوبية؟ وإلى أي مآل يمكن أن تقود البلاد والمنطقة إذا عجزت الحكمة عن لجم اندفاع السلاح؟
أولًا: المجال الإثيوبي.. أرض تتنازعها الجغرافيا والسياسة
إثيوبيا ليست دولة عادية في حسابات القرن الإفريقي؛ فهي دولة ذات ثقل سكاني وجغرافي وسياسي، وتاريخ ممتد، وموقع استراتيجي يجعل استقرارها شأنًا يتجاوز حدودها الوطنية.
فهي تجاور السودان وإريتريا والصومال وجيبوتي وجنوب السودان وكينيا، وتطل على فضاء إقليمي شديد الحساسية، تتداخل فيه قضايا الأمن القومي، والتنافس على النفوذ، والمصالح الاقتصادية، والمياه، والموانئ، والممرات التجارية.
ولذلك، فإن أي اضطراب داخلي واسع في إثيوبيا لا يظل حبيس حدودها، بل تتردد أصداؤه في دول الجوار، وتتأثر به حركة التجارة، وأمن الحدود، وأوضاع اللاجئين، وتوازنات القوى في المنطقة.
ولعل الخطر الأكبر يكمن في أن تتحول الخلافات السياسية إلى صراعات هوياتية، وتتحول المطالب المحلية إلى معارك مفتوحة بين المكونات الإثنية، فتتراجع لغة المواطنة أمام لغة الانتماء الضيق، ويصبح الوطن ساحة تتنازعه الولاءات بدلًا من أن يكون مظلة جامعة لأبنائه.
إن الدولة التي تتعدد فيها المكونات القومية والثقافية تحتاج إلى عدالة تستوعب الجميع، ومؤسسات لا تنحاز إلا للقانون، وحوار وطني يقطع الطريق أمام من يتخذون من الاختلاف ذريعة للتمزق والاقتتال.
أما حين تضيق مساحات التوافق، وتتعثر التسويات، وتُستدعى القوة لحسم الخلافات السياسية، فإن النار قد تمتد إلى مساحات لم تكن في الحسبان.
ثانيًا: من صراع السلطة إلى خطر تفكك الدولة
إن أخطر ما في الحروب الداخلية ليس عدد المعارك التي تُخاض، بل طبيعة الأسئلة التي تتركها خلفها.
من يحكم؟ وبأي شرعية؟ وكيف تُوزع السلطة والثروة؟ وهل يشعر المواطن بأنه شريك في وطنه، أم أنه غريب داخل حدوده؟
هذه الأسئلة تمثل جوهر الأزمة في الدول التي تعجز عن بناء عقد وطني متماسك، وتظل فيها التوازنات السياسية هشة، والتنافس على السلطة قابلًا للتحول إلى صدام مسلح.
وقد أظهرت الحرب التي اندلعت في إقليم تيغراي عام 2020، وما صاحبها من خسائر بشرية ونزوح ودمار، أن الانقسامات العميقة قد تدفع الدولة إلى مواجهة باهظة الكلفة، حتى وإن انتهت جولة من القتال باتفاق سياسي.
فالاتفاقات توقف الرصاص أحيانًا، لكنها لا تضمن وحدها شفاء الجراح، ولا تعالج تلقائيًا أسباب النزاع، ولا تعيد الثقة بين المكونات المتخاصمة.
ومن ثم، فإن الخطر لا يكمن فقط في اندلاع حرب جديدة، بل في بقاء أسباب الحرب القديمة كامنة تحت الرماد، تنتظر لحظة الاشتعال.
فالدولة لا تسقط بالضرورة عندما تُهزم جيوشها، وإنما قد تبدأ رحلة سقوطها حين تفقد شعوبها الثقة في قدرتها على تحقيق العدالة وحماية الجميع.
ثالثًا: المآل الإقليمي.. السودان في قلب العاصفة
ولأن الجغرافيا لا تعرف المجاملة، فإن السودان لا يستطيع أن ينظر إلى ما يجري في إثيوبيا باعتباره شأنًا بعيدًا عنه.
فالبلدان تجمعهما حدود طويلة، وروابط تاريخية واجتماعية واقتصادية، ومصالح مشتركة تجعل استقرار أحدهما عاملًا مؤثرًا في استقرار الآخر.
والسودان، الذي أنهكته الحرب وتجرع شعبه مرارات النزوح والفقدان وتدمير الممتلكات، لا يحتمل أن تتحول حدوده الشرقية إلى مسرح لتداعيات صراع إقليمي جديد.
إن اتساع رقعة الاضطراب في إثيوبيا قد يضاعف الضغوط على المناطق الحدودية، ويزيد احتمالات النزوح، ويؤثر في حركة التجارة، ويخلق تحديات أمنية وإنسانية إضافية، في وقت يحتاج فيه السودان إلى توجيه موارده نحو وقف الحرب وإعادة بناء ما دمرته.
وهنا تبرز ضرورة أن تنظر الخرطوم إلى محيطها الإقليمي بعين اليقظة والمسؤولية، لا بعين التوجس وحده؛ فحماية الأمن القومي لا تعني التدخل في الشؤون الداخلية للآخرين، وإنما تعني الاستعداد للمخاطر، وتفعيل الدبلوماسية، وتعزيز التعاون الحدودي، ومنع استخدام أراضي الدول المتجاورة للإضرار باستقرار المنطقة.
كما أن مصلحة السودان تقتضي إقامة علاقات متوازنة مع إثيوبيا، تقوم على احترام السيادة المتبادلة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتسوية الخلافات بالوسائل السلمية، وحماية المصالح المشتركة.
أما تحويل الأزمات إلى ساحات لتصفية الحسابات، فلن يجلب لشعوب المنطقة سوى مزيد من الخراب.
فالسودان الذي يبحث عن مخرج من نفق الحرب لا ينبغي أن يجد نفسه أمام نفق إقليمي جديد.
رابعًا: سد النهضة.. حين تتقاطع السياسة مع أمن المياه
ولا يمكن قراءة المشهد الإثيوبي بمعزل عن ملف سد النهضة، الذي ظل أحد أبرز ملفات التوتر بين إثيوبيا والسودان ومصر.
فالمياه ليست مجرد مورد اقتصادي، بل قضية أمن قومي وحياة يومية لملايين البشر، ترتبط بالزراعة والغذاء والطاقة والاستقرار الاجتماعي.
ومن هنا، فإن أي اضطراب سياسي أو أمني واسع داخل إثيوبيا قد يضيف تعقيدات جديدة إلى بيئة إقليمية تعاني أصلًا من تباين المواقف بشأن إدارة مياه النيل الأزرق.
غير أن الحكمة تقتضي الفصل بين الخلافات السياسية وحقوق الشعوب في التنمية والأمن المائي، والعمل على بناء تفاهمات ملزمة وعادلة، تقوم على تبادل المعلومات، والتعاون الفني، وتجنب الإجراءات الأحادية التي قد تلحق أضرارًا جسيمة بدول المصب.
فلا السودان ولا مصر ولا إثيوبيا يمكنه أن يضمن أمنه المائي بمعزل عن الآخرين.
وإذا كانت الجغرافيا قد جعلت النيل رابطًا بين هذه الشعوب، فإن المسؤولية السياسية والأخلاقية تفرض ألا يتحول النهر إلى سبب للعداء، بل إلى أساس للتعاون والتنمية المشتركة.
خامسًا: الأيادي الخارجية.. حين تصبح الأوطان أوراقًا على طاولات المصالح
من أخطر ما تواجهه الدول التي تعاني انقسامات داخلية أن تتحول أزماتها إلى فرص للتنافس الخارجي.
فحين تضعف الجبهة الداخلية، يسهل على القوى الإقليمية والدولية البحث عن موطئ قدم، وتوسيع دوائر النفوذ، واستثمار التناقضات المحلية لتحقيق أهدافها الاستراتيجية والاقتصادية.
وليس من الحكمة أن نفسر كل أزمة داخلية باعتبارها مؤامرة خارجية، فالمسؤولية الوطنية تقتضي أولًا الاعتراف بالأخطاء الداخلية ومعالجتها. لكن من السذاجة السياسية أيضًا تجاهل أثر المصالح الخارجية في صراعات المنطقة، أو الاعتقاد بأن الأطراف الدولية تتحرك دائمًا بدافع إنساني خالص.
إن السؤال الذي ينبغي أن يواجه به الإثيوبيون أنفسهم هو: هل ستظل بلادهم صاحبة القرار في مستقبلها، أم تتحول خلافاتها الداخلية إلى أبواب تتسلل منها حسابات الآخرين؟
والسؤال ذاته ينبغي أن يطرحه السودانيون وسائر شعوب القرن الإفريقي.
فالأوطان التي تعجز عن إدارة خلافاتها بحكمة تمنح الآخرين فرصة للتأثير في مصائرها، وقد تجد نفسها تدفع ثمن صراعات لم تكن مصالح مواطنيها هي المحرك الأساسي لها.
إن السيادة الوطنية لا تُصان بالشعارات وحدها، وإنما بوحدة الجبهة الداخلية، وقوة المؤسسات، وعدالة توزيع الفرص، واستقلال القرار الوطني.
سادسًا: ما بين المجال والمآل.. أي طريق تختار إثيوبيا؟
إن المستقبل الإثيوبي ليس قدرًا محتومًا، ولا يجوز اختزاله في سيناريو واحد؛ فالمآلات تتوقف على قرارات الفاعلين السياسيين والعسكريين، وعلى قدرة المؤسسات الوطنية والإقليمية على احتواء الأزمات قبل تحولها إلى كوارث شاملة.
وأمام إثيوبيا، كما أمام بقية دول المنطقة، ثلاثة مسارات رئيسية:
المسار الأول: مسار الاحتواء والتسوية. وهو المسار الذي يقدم الحوار الوطني على منطق القوة، ويعالج المظالم السياسية والاقتصادية، ويعزز استقلال القضاء، ويحمي المدنيين، ويتيح مشاركة عادلة لمختلف المكونات في إدارة الدولة.
وهذا المسار ليس سهلًا، لكنه الأقل كلفة والأكثر قدرة على بناء سلام مستدام.
المسار الثاني: مسار الصراع المتقطع. وفيه تتوقف بعض المعارك دون أن تُعالج أسبابها، فتظل الهدن هشة، وتبقى احتمالات تجدد القتال قائمة، وتستمر معاناة المدنيين بين نزوح وخوف وانعدام للفرص الاقتصادية.
وهذا المسار يستنزف الدولة دون أن يمنحها استقرارًا حقيقيًا.
المسار الثالث: مسار التصعيد والتدويل. وهو الأخطر، إذ تتسع دائرة المواجهات، وتتشابك المصالح الخارجية مع الصراعات الداخلية، وتتعرض مؤسسات الدولة لضغوط متزايدة، بينما تتفاقم الأوضاع الإنسانية والاقتصادية، وتنتقل تداعيات الأزمة إلى دول الجوار.
وإذا بلغ الصراع هذه المرحلة، فلن تكون الخسارة إثيوبية وحدها، بل ستتسع لتشمل القرن الإفريقي بأسره.
وهنا تقع مسؤولية كبرى على الاتحاد الإفريقي، ومنظمة إيغاد، ودول الجوار، في دعم الحلول السياسية، ومنع التصعيد، واحترام سيادة الدول، والعمل على تسوية النزاعات بعيدًا عن ازدواجية المعايير.
أخيرًا.. لا غالب في الحروب التي يخسر فيها الوطن
إن إثيوبيا، بتاريخها العريق وثقلها الإفريقي، أكبر من أن تُختزل في صراع على السلطة، وأثمن من أن تصبح ساحة لتصفية الحسابات، وأحق بشعبها من أن تظل أسيرة الخوف والانقسام.
والشعب الإثيوبي، بمختلف مكوناته، لا يحتاج إلى مزيد من المقابر بقدر حاجته إلى دولة عادلة، ولا يحتاج إلى خطابات تعبئة جديدة بقدر حاجته إلى مدارس تعمل، ومستشفيات تستقبل المرضى، وحقول تُزرع، وأسواق تنبض بالحياة، وأطفال ينامون دون أن توقظهم أصوات المدافع.
إن الدرس الأهم الذي ينبغي أن تتعلمه دول المنطقة من حروبها المتعاقبة هو أن السلاح قد يحسم معركة، لكنه لا يصنع وحده سلامًا، وأن القوة العسكرية مهما بلغت لا تستطيع أن تحل محل العدالة، وأن الانتصار الحقيقي ليس في إخضاع الخصوم، بل في بناء وطن لا يشعر فيه أحد بأنه مضطر إلى حمل السلاح ليحصل على حقه.
أما السودان، فإن واجبه أن يحمي مصالحه وأمنه القومي، وأن يرفض كل ما يهدد استقراره، دون أن يسمح لمآسيه الداخلية بأن تعميه عن ضرورة السلام مع جيرانه، فالأزمات لا تُعالج باستيراد أزمات جديدة، والخراب لا يُواجه بفتح أبواب أخرى له.
إن الحرب الإثيوبية، ما بين المجال والمآل، ليست مجرد قضية داخلية، بل اختبار حقيقي لقدرة القرن الإفريقي على الإفلات من دوامة الصراعات. فإما أن تنتصر الحكمة وتُفتح أبواب التسوية، وإما أن تتسع رقعة النار، فتدفع الشعوب ثمنًا جديدًا من دمائها وأرزاقها ومستقبل أبنائها.
ولعل الرسالة الأبلغ التي ينبغي أن تصل إلى صناع القرار في المنطقة هي أن الأوطان لا تُبنى على أنقاض بعضها، وأن أمن الجار امتداد لأمن الدار، وأن السلام ليس ضعفًا أمام الخصوم، بل شجاعة في مواجهة نزيف لا رابح فيه.
فهل تدرك إثيوبيا، ويدرك معها جيرانها، أن اللحظة التي تتسع فيها مساحة الحرب قد تكون هي ذاتها اللحظة التي تضيق فيها مساحة الوطن؟
منال الأمين الفاداني
