*استراحة الجمعة* *لا تيأس من رحمة الله.. فباب المغفرة لا يغلق* *✍️د. الشاذلي عبداللطيف*
استراحة الجمعة
لا تيأس من رحمة الله.. فباب المغفرة لا يغلق
✍️د. الشاذلي عبداللطيف

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي وسعت رحمته كل شيء، وفتح لعباده أبواب التوبة، وجعل الرجوع إليه طريقا للمغفرة والنجاة، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، نبي الرحمة والهداية.
في زحام الحياة، وبين أخطاء الإنسان وضعفه وتقصيره، تشرق في القلوب بشارة ربانية عظيمة، تعيد الأمل إلى النفوس، وتذكرنا بأن رحمة الله أوسع من ذنوبنا، وأن باب التوبة لا يغلق ما دامت الروح في الجسد.
يقول الله تعالى في الحديث القدسي:
«يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة». رواه الترمذي.
يا لها من كلمات تهز القلوب، وتفتح أمام المذنبين أبواب الرجاء، وتعلمنا أن عظمة الله لا تحدها ذنوب العباد، وأن رحمته لا يعجزها تقصير التائبين.
أول دروس هذا الحديث أن اليأس من رحمة الله لا مكان له في قلب المؤمن. فمهما عظمت الذنوب، فإن رحمة الله أعظم، ومهما كثرت الخطايا، فإن مغفرته أوسع، شريطة صدق التوبة والرجوع إليه.
ويعلمنا الحديث أن الدعاء ليس مجرد كلمات ترددها الألسنة، بل هو انكسار قلب بين يدي خالقه، ورجاء صادق، ويقين بأن الله يسمع ويرى ويعلم ما تخفي الصدور.
أما الاستغفار، فهو حياة للقلوب، وتطهير للنفوس، وتجديد للعهد مع الله. وما أجمل أن يختلي الإنسان بنفسه، فيحاسبها قبل أن يحاسب، ويستغفر عن ذنب خفي، أو حق ضائع، أو قلب آلمه دون أن يشعر.
ثم يأتي أعظم المعاني وأجلها: التوحيد الخالص لله تعالى. فهو أساس النجاة، وأعظم أسباب المغفرة. وفي الحديث تحذير من الشرك، وتذكير بأن الله لا يغفر لمن مات عليه دون توبة.
ويوقظ الحديث في نفوسنا حقيقة اللقاء المحتوم، حين نقف بين يدي الله، لا تنفعنا المناصب ولا الأموال، وإنما تنفعنا رحمة الله وإيمان صادق وعمل صالح.
وهكذا يعيش المؤمن بين الخوف والرجاء؛ لا يغتر بسعة الرحمة فيصر على المعصية، ولا يقنط من المغفرة فيستسلم لذنوبه.
وفي ختام استراحتنا:
لا تجعل ذنب الأمس يحرمك من توبة اليوم، ولا تجعل قسوة الدنيا تنسيك رحمة ربك. عد إلى الله مهما ابتعدت، واطرق بابه مهما أخطأت، فإن أعظم الخسارة أن يفقد الإنسان الأمل في رحمة من وسعت رحمته كل شيء.
اللهم إن ذنوبنا عظيمة، ولكن عفوك أعظم، وإن تقصيرنا كثير، ولكن رحمتك أوسع. اللهم لا تحرمنا مغفرتك بسوء أعمالنا، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين. اغفر لنا ولوالدينا ولمن نحب، واجبر قلوبنا، واستر عيوبنا، وأحسن خاتمتنا، واجعل آخر عهدنا بالدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. اللهم إن لم نكن أهلا لرحمتك، فرحمتك أهل لأن تبلغنا، فلا تردنا عن بابك خائبين، يا أرحم الراحمين.
جمعة مباركة، جعلنا الله وإياكم من المقبولين المغفور لهم.
