منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

اجتماع الرباعية بشأن السودان.. هل تقترب ساعة الحسم أم تتجدد لعبة المبادرات؟ ✍️ د. نجلاء حسين المكابرابي

0

اجتماع الرباعية بشأن السودان.. هل تقترب ساعة الحسم أم تتجدد لعبة المبادرات؟

✍️ د. نجلاء حسين المكابرابي

في لحظة مفصلية من تاريخ السودان، يأتي الاجتماع الجديد للرباعية الدولية في جنيف، بمشاركة الولايات المتحدة ومصر والسعودية والإمارات، ليعيد ملف الحرب السودانية إلى واجهة التحركات الدبلوماسية، وسط أزمة إنسانية متفاقمة، واستمرار القتال، وتزايد المخاوف من اتساع دائرة الصراع إقليمياً.

وتكتسب هذه الاجتماعات أهميتها من طبيعة الدول المشاركة، وما تمتلكه من نفوذ سياسي واقتصادي وقدرة على التأثير في مسارات الأزمة. وقد أكدت الرباعية، وفق ما أُعلن في 24 أكتوبر 2026، أن الحرب لا تملك حلاً عسكرياً، وأن إنهاءها يتطلب التفاوض، وهدنة إنسانية تمهد لوقف دائم لإطلاق النار، يعقبها حوار سياسي شامل بقيادة سودانية وانتقال نحو الحكم المدني.

لكن السؤال الجوهري ليس: لماذا تجتمع الرباعية؟ ولكن : ماذا يمكن أن ينتج عن اجتماعها، بعد سنوات من المبادرات واللقاءات والبيانات التي لم تنجح حتى الآن في وضع حد للحرب؟
أولاً: من تنسيق المبادرات إلى صناعة القرار
يمثل تنسيق الجهود الدولية خطوة ضرورية، خصوصاً في ظل تعدد مسارات الوساطة وتباين مصالح القوى الإقليمية والدولية. غير أن التنسيق وحده لا يصنع السلام؛ فالمطلوب هو الانتقال من الدبلوماسية التصريحية إلى إجراءات عملية، تبدأ بوقف إطلاق النار، وضمان وصول المساعدات، ووضع آليات واضحة لمراقبة الالتزام بالاتفاقات ومحاسبة من يعرقلها.
فالسودان لا يحتاج إلى مبادرة جديدة تحمل اسماً مختلفاً، بقدر ما يحتاج إلى إرادة دولية موحدة تستطيع تحويل التعهدات إلى واقع يلمسه المواطن.

ثانياً: غياب السودانيين.. معضلة الشرعية والفاعلية
من أبرز التحديات التي تواجه اجتماعات جنيف انعقادها دون مشاركة مباشرة لطرفي الحرب في مداولاتها. وقد استهدف الاجتماع التشاوري السادس تنسيق جهود الوسطاء، وليس التفاوض المباشر نيابة عن الأطراف السودانية.

ورغم أهمية التنسيق الدولي، فإن أي تسوية تُصاغ بعيداً عن أصحاب القرار على الأرض تظل محدودة القدرة على التنفيذ. كما أن اختزال الأزمة في تفاهمات بين القوى الخارجية يغفل تعقيدات الدولة السودانية، وأزمة المؤسسة العسكرية، والصراع على السلطة، وضرورة بناء توافق وطني حول مستقبل الحكم.

إن الملكية السودانية للحل ليست مجرد عبارة دبلوماسية، هي شرط أساسي لاستدامة السلام. ويجب ألا يتحول الحوار السوداني إلى إجراء شكلي لإضفاء الشرعية على تفاهمات جرى إعدادها مسبقاً.
ثالثاً: المصالح الإقليمية واختبار النفوذ
تتقاطع الأزمة السودانية مع مصالح استراتيجية تتصل بأمن البحر الأحمر، والحدود، والتجارة، والتوازنات في القرن الإفريقي. ولذلك فإن مواقف الدول المشاركة لا يمكن فصلها عن حساباتها الإقليمية. ويظل التحدي هو توظيف هذا النفوذ لمصلحة استقرار السودان، لا لتحويل أراضيه إلى ساحة لتصفية الحسابات.
رابعاً: ما الذي ينبغي أن يطلبه السودان؟
المطلوب سودانياً هو موقف واضح يربط أي مسار تفاوضي بوحدة البلاد وسيادتها، وحماية المدنيين، ووقف التدخلات الخارجية المغذية للحرب، وضمان وصول الإغاثة، وإطلاق عملية سياسية لا تستثني القوى الوطنية والمجتمعية، ولا تجعل مستقبل الدولة رهينة لتسويات النخب المسلحة والسياسية وحدها.

كما ينبغي أن تتضمن أي تسوية ضمانات قابلة للتحقق، وجدولاً زمنياً واضحاً، وآليات لمراقبة وقف النار، وخطة لإعادة الإعمار ومعالجة آثار الحرب الاقتصادية والاجتماعية.
والخلاصة : إن اجتماع الرباعية قد يمثل فرصة حقيقية إذا نجح في توحيد الضغوط الدولية وتحويلها إلى خطوات ملزمة، لكنه قد يصبح حلقة أخرى في مسلسل المبادرات إذا اكتفى بإعادة إنتاج المواقف ذاتها.
فالسودان لا يحتاج إلى سلام يُفرض عليه، ولا إلى حرب تُترك بلا أفق، وإنما إلى تسوية تحفظ سيادته، وتنهي معاناة شعبه، وتؤسس لدولة قادرة على استعادة مؤسساتها وبناء مستقبلها.
فالمعيار الحقيقي لنجاح اجتماع جنيف ليس ما سيصدر عنه من بيانات، لكن ما سيتغير بعده على الأرض: هل ستصمت المدافع، وتصل المساعدات، ويبدأ السودانيون كتابة مستقبلهم بإرادتهم؟

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.