*تدوير الحقائب… أم تدوير الإخفاق؟* *كلمة وبس* *جمال كركبة*
تدوير الحقائب… أم تدوير الإخفاق؟
كلمة وبس
جمال كركبة

كلما أُعلن عن تعديل وزاري جديد، تتجدد آمال المواطنين في رؤية أداء أفضل وسياسات أكثر فاعلية وقيادات قادرة على إحداث الفرق. لكن هذه الآمال سرعان ما تتراجع عندما يكتشف الناس أن ما جرى ليس تغييرًا بالمعنى الحقيقي، وإنما مجرد تبادل للحقائب بين المجموعة نفسها من المسؤولين. يغادر وزير موقعه ليشغل موقع زميله، وينتقل آخر إلى وزارة مختلفة، وتبقى الوجوه نفسها حاضرة في المشهد، وكأن المشكلة كانت في اسم الوزارة لا في الأداء الذي قُدِّم داخلها.
هذا المشهد الذي تكرر في العديد من التجارب الإدارية يثير تساؤلات مشروعة حول فلسفة التغيير نفسها. فالتعديل الوزاري ليس غاية في حد ذاته، وإنما وسيلة لمعالجة القصور وتحسين الأداء وتجديد الرؤى. أما إذا انتهى الأمر بتدوير الأشخاص أنفسهم بين الوزارات، فإن التغيير يتحول إلى إجراء شكلي لا يمس جوهر الأزمة.
في ولاية نهر النيل، أثارت التغييرات الأخيرة دهشتنا حول جدوى تبادل الحقائب الوزارية بين مجموعة محددة من المسؤولين. فالمواطن الذي ينتظر تحسن الخدمات وتطوير الأداء التنفيذي لا ينشغل كثيرًا بالأسماء والمناصب، بل يسأل سؤالًا بسيطًا ومباشرًا: ما الذي سيتغير إذا ظل الأشخاص أنفسهم يديرون المشهد؟
فالمنطق الإداري يقول إن المسؤول يُقيَّم وفق ما حققه من نتائج. فإذا كانت تجربته السابقة ناجحة ومتميزة، فمن الأولى أن تستفيد مؤسسته من استمراره واستكماله لما بدأه. أما إذا كانت النتائج دون الطموح، فإن نقله إلى وزارة أخرى لا يمثل حلًا للمشكلة، بل قد يكون نقلًا لها من قطاع إلى آخر.
إن أخطر ما في سياسة تبادل الحقائب أنها تكرس انطباعًا بأن دائرة الاختيار ضيقة للغاية، وأن المناصب العليا حكر على مجموعة بعينها مهما كانت نتائج أدائها. وهذا الانطباع يضعف الثقة العامة، ويغلق الأبواب أمام عشرات الكفاءات والخبرات الموجودة داخل الولاية وخارجها، والتي تنتظر فرصة عادلة للمساهمة في إدارة الشأن العام.
كما أن تدوير المسؤولين بصورة مستمرة يفرغ مبدأ المحاسبة من مضمونه. فبدلًا من أن يكون هناك تقييم واضح للتجارب السابقة ومساءلة للمقصرين ومكافأة للناجحين، يصبح الانتقال من وزارة إلى أخرى بمثابة إعادة تموضع داخل السلطة التنفيذية دون تقديم كشف حساب حقيقي للرأي العام. وحينها تختلط المسؤوليات وتضيع الإجابات عن الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالإنجاز والإخفاق.
لا أحد يعترض على الاستفادة من الخبرات المتراكمة، فالإدارة تحتاج إلى الكفاءة كما تحتاج إلى التجربة. لكن الفرق كبير بين الاستفادة من الخبرة وبين احتكار المواقع العامة. فالخبرة ينبغي أن تكون أحد معايير الاختيار، لا المعيار الوحيد، خاصة عندما تثبت التجارب أن تجديد القيادات وفتح المجال أمام الأفكار الجديدة غالبًا ما يكون مدخلًا ضروريًا للإصلاح والتطوير.
لقد أثبتت الممارسة أن المجتمعات لا تتقدم عندما تدور النخب حول نفسها، وإنما عندما يكون باب القيادة مفتوحًا للأكثر قدرة على الإنجاز. أما الاقتصار على تبادل المواقع بين الأشخاص أنفسهم فإنه يبعث برسالة سلبية مفادها أن الدولة لم تعد تبحث عن حلول جديدة، بل تكتفي بإعادة ترتيب العناصر القديمة.
وفي نهاية المطاف، فإن المواطن لن يحكم على التغييرات من خلال القرارات الرسمية أو الصور التذكارية أو مراسم التكليف، وإنما من خلال النتائج التي يراها على أرض الواقع. فإذا بقيت المشكلات كما هي، وظلت الخدمات على حالها، واستمرت التحديات نفسها دون معالجة، فإن الحديث عن التغيير لن يكون سوى تغيير في العناوين.
ولهذا يبقى السؤال حاضرًا بقوة: هل المطلوب إصلاح الأداء أم إعادة توزيع المناصب؟ لأن الفرق بين الأمرين كبير. فالإصلاح يبدأ بالمحاسبة والتقييم والجرأة في اختيار قيادات جديدة، أما الاكتفاء بتبادل الحقائب بين الوجوه نفسها فلن يكون أكثر من حلقة جديدة في مسلسل تدوير المسؤولين، حيث تتغير المكاتب وتبقى النتائج كما هي. بل إن أخطر ما يكشفه هذا النهج أنه يعكس فقرًا في الخيارات وعجزًا عن إنتاج قيادات جديدة، وكأن الولاية بكل ما تزخر به من خبرات وعقول لم تعد قادرة على تقديم بديل واحد خارج الدائرة التقليدية التي اعتادت أن تتقاسم المواقع وتتبادل الحقائب تحت لافتة التغيير
