منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

خبر و تحليل | عمار العركي ================ من سانت بطرسبورغ إلى موسكو … شراكة سودانية روسية من القاعدة إلى القمة

0

خبر و تحليل | عمار العركي
من سانت بطرسبورغ إلى موسكو … شراكة سودانية روسية من القاعدة إلى القمة

▪️ أعادت زيارة رئيس مجلس السيادة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، إلى روسيا للمشاركة في القمة الروسية الأفريقية بموسكو، إلى الواجهة زيارة والي ولاية البحر الأحمر ووفده إلى سانت بطرسبورغ، وهي زيارة ذات أبعاد استراتيجية لم تحظَ بالتناول الكافي قياساً بأهميتها في سياق العلاقات السودانية الروسية. فبينما تتجه الأنظار إلى زيارة البرهان، تستحق زيارة الوالي قراءة أعمق، باعتبارها مدخلاً لبناء الشراكة من قاعدة المؤسسات والقطاعات الاقتصادية والأمنية والتنموية وصولاً إلى مستوى القيادة السياسية.
▪️ تكمن أهمية زيارة والي البحر الأحمر في كونها خطوة مؤسسية نحو شراكة مع روسيا تنطلق من مستوى الولاية ومؤسساتها الاقتصادية والخدمية والأمنية، وتربط التعاون باحتياجات فعلية في قطاعات الموانئ والموارد المعدنية والتعليم والاستثمار. فالشراكات القائمة على مصالح عملية ومؤسسات قادرة على التنفيذ أكثر قابلية للاستمرار من العلاقات المحصورة في التفاهمات السياسية والزيارات الرسمية، كما أن بناءها من القاعدة إلى القمة يؤسس لمشروعات تمنح التحرك السياسي والدبلوماسي مضموناً عملياً.
▪️ ومن هذه الزاوية، تمثل زيارة سانت بطرسبورغ مدخلاً لتوسيع قاعدة العلاقة، على أن توفر المستويات الأعلى الإطار السياسي والدبلوماسي والتمويلي اللازم لإنجاحها. ويعزز طبيعة الوفد هذه القراءة، إذ ضم قيادات من هيئة الموانئ البحرية، والشركة السودانية للموارد المعدنية، وجامعة البحر الأحمر، واتحاد أصحاب العمل، إلى جانب ادارة جهاز المخابرات العامة بالولاية، ويجمع هذا التشكيل بين المؤسسات الاقتصادية والتنموية والتمثيل الأمني، بما يعكس تعدد أبعاد التحرك.
▪️ وتكتسب الزيارة أهمية إضافية بالنظر إلى موقع ولاية البحر الأحمر في حسابات الأمن القومي السوداني وأمن البحر الأحمر؛ فبورتسودان بوابة السودان البحرية الرئيسية، وتتضاعف أهميتها في حماية البنية التحتية واستمرار التجارة وتطوير الخدمات اللوجستية والاستعداد لإعادة الإعمار. ومن ثم، فإن بناء علاقات مؤسسية مباشرة مع سانت بطرسبورغ، بما تملكه من خبرات ومرافق مينائية وصناعية وتعليمية، يفتح المجال أمام تعاون يخدم مصالح الطرفين.
▪️ وفي هذا السياق، تبرز أهمية اتفاق التوأمة بين بورتسودان وسانت بطرسبورغ، واللقاءات المصاحبة للزيارة، والاطلاع على تجربة ميناء برونكا الروسي. فالقيمة الحقيقية لا تكمن في توقيع الاتفاقات وحده، وإنما في تحويلها إلى مشروعات محددة لتطوير الموانئ والنقل البحري والخدمات اللوجستية، والتعاون في التعدين والطاقة والتدريب الفني والتعليم العالي وجذب الاستثمارات، بما ينعكس على اقتصاد الولاية والسودان عموماً.
▪️ لكن المبادرات الولائية تحتاج إلى مسار دبلوماسي وحكومي يضمن استمراريتها. وهنا يأتي دور وزارة الخارجية في توفير الإطار السياسي والقانوني للتعاون، بالتكامل مع اللجنة الحكومية المشتركة للتعاون الاقتصادي والتجاري وآليات التشاور بين البلدين. فالمبادرة المحلية تحدد الاحتياجات وتفتح الأبواب، بينما يتطلب تحويلها إلى شراكة مستدامة التنسيق مع المؤسسات الاتحادية وربط الاتفاقات بالأولويات الوطنية. وبذلك تصبح زيارة الوالي رافداً عملياً للدبلوماسية السودانية، لا مساراً موازياً لها.
▪️ كما تتيح مشاركة جهاز المخابرات العامة بالولاية قراءة التحرك ضمن إطار مؤسسي أوسع، تتداخل فيه اعتبارات التنمية مع حماية المصالح الوطنية؛ فالموانئ والموارد والممرات التجارية ترتبط بالأمن القومي واستقرار الدولة. غير أن دلالة هذه المشاركة لا ينبغي أن تُحمّل استنتاجات بشأن طبيعة الملفات التي نوقشت، ما لم تتوافر معلومات موثقة عنها.
▪️ وتتضح الصورة أكثر مع زيارة البرهان إلى موسكو، حيث يضم الوفد السوداني وزيري الخارجية والمالية، والمدير العام لجهاز المخابرات العامة، والمدير العام لمنظومة الصناعات الدفاعية. ويتيح هذا التمثيل بحث العلاقة على مستوى القيادة السياسية، بالتوازي مع الملفات الدبلوماسية والاقتصادية والأمنية والدفاعية. وإذا كانت زيارة والي البحر الأحمر قد فتحت نافذة للتعاون القطاعي والمؤسسي، فإن زيارة البرهان توفر فرصة لربط هذه المجالات برؤية وطنية أوسع تشمل احتياجات السودان في الحرب وإعادة الإعمار.
▪️ وتكمن أهمية التحركين في إمكان قراءة العلاقة السودانية الروسية بوصفها مساراً متعدد المستويات: مصالح اقتصادية ومبادرات قطاعية، وقنوات دبلوماسية وحكومية، واتصالات سياسية على مستوى القيادة. ولا يعني ذلك بالضرورة وجود تنسيق مباشر بين الوفدين، لكنه يبرز أهمية جمع هذه المسارات ضمن أولويات وطنية متسقة.
▪️ وتكتسب العلاقة أهمية في ضوء المواقف الروسية المعلنة بشأن سيادة السودان ووحدة أراضيه ومؤسساته، ومواقف موسكو في مجلس الأمن بشأن العقوبات المتعلقة بالسودان. كما تتيح الشراكة فرصاً للتعاون في الطاقة والنفط والتعدين والزراعة والبنية التحتية والتعليم العالي، وهي قطاعات تزداد أهميتها مع تضرر الاقتصاد بفعل الحرب. غير أن التقارب السياسي يحتاج إلى ترجمة عملية تراعي القدرات التمويلية والتنفيذية والمصالح المتبادلة ومردود كل مشروع على السودان.
خـلاصة القول ومنتهاه
إن زيارة والي البحر الأحمر إلى سانت بطرسبورغ، بمشاركة المؤسسات الاقتصادية والتنموية وجهاز المخابرات العامة بالولاية، تطرح مدخلاً لبناء الشراكة السودانية الروسية من القاعدة إلى القمة. فالمبادرات القطاعية، وجهود وزارة الخارجية، ومشاركة المؤسسات الأمنية والدفاعية ضمن اختصاصاتها، ثم تحرك البرهان إلى موسكو، يمكن أن تشكل حلقات متكاملة في مسار واحد. لكن متانة الشراكة لن تُقاس بعدد الزيارات أو مستوى الوفود، وإنما بقدرتها على إنتاج مشروعات نافذة واستثمارات مستدامة والتزامات واضحة. فحين تنطلق العلاقة من مصالح حقيقية، وتتجذر عبر المؤسسات، وتحظى بإسناد سياسي ودبلوماسي على مستوى القيادة، تصبح أكثر قدرة على الاستمرار والتحول إلى شراكة استراتيجية تخدم سيادة السودان، وتعزز قدراته الاقتصادية، وتدعم استعادة الدولة وإعادة الإعمار.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.