العلاقات الروسية الأفريقية كتبت ✍🏻 د إيناس محمداحمد
العلاقات الروسية الأفريقية
كتبت ✍🏻
د إيناس محمداحمد
روسيا الاتحادية حديثا ، او الاتحاد السوفيتي (سابقا )، هي احدي القوي العظمي في عالم قطبي ، لها دور اساسي في تأسيس منظمة الامم المتحدة، ولها مقعد دائم في مجلس الأمن ورثته بعد تفكك الاتحاد السوفيتي مع حق الفيتو وهو ما يمنحها القدرة علي رفض اي قرار يتعارض مع مصالحها او مصالح حلفائها ، ولها ثقلها الدولي الذي حافظ علي السلم والامن الدوليين في الكثير من المواقف اهمها مواجهة ازدواجية المعايير التي تنتهجها الدول الغربية تجاة القضايا الافريقية والعربية .
علي صعيد القانون الدولي هناك العديد من فقهاء القانون الدولي الروس الذين برعو في وضع نظريات القانون الدولي الحديث ، ابرزهم غريغوري تونكين (G.I . Tunkin) الذي أسهم في وضع نظرية سوفيتية متفردة حول مصادر القانون الدولي تقوم علي ان القانون الدولي هو نتاج توافق بين الدول ذات السيادة وليس نتاجا لقيم غير وطنية او غربية خالصة.
كما يؤكد الفقة الروسي علي مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية واعتباره ركيزة لاستقرار النظام الدولي ويقف بذلك في مواجهة نظريات غربية مثل التدخل لصالح حقوق الإنسان او مسؤولية الحماية الدولية ، و يميل الفقة الروسي في القانون الدولي الي تقييد ولاية المحاكم الدولية برضا الدولة الصريح للآخذ او اللجؤ اليه ،حتي لا يستخدم القضاء الدولي ك كرت ضغط سياسي او قانوني من القوي الدولية.
يتبنى الفكر الروسي رؤية نقدية معارضة للهيمنة الغربية علي تفسير وتطبيق قواعد القانون الدولي مثل الاختلاف حول استخدام القوة والدفاع الشرعي وأن المعاهدات الدولية يجب أن تكون قائمة علي الرضا الحر والمساواة الفعلية بين الدول والتأكيد علي حق الشعوب في تقرير مصيرها كل هذا المبادئ والقيم جاءت متوافقة مع الحالة الدولية التي كانت تعيشها الدول الأفريقية التي خرجت للتو من ظلام الاستعمار الي نور الحرية والاستقلال مما مهد لتوطيد العلاقات بين روسيا والدول الأفريقية منذ تلك الحقبة .
دوليا لعبت روسيا دورا محوريا في تطور القانون الدولي الحديث وكان للدبلوماسي والقانوني الروسي (Fyodor Martens) (فيديور مارتينز ) الأثر الكبير في تطور القانون الدولي خلال مؤتمر لاهاي للسلام الأول عام 1899م كمقترح توافقي شكل قاعدة جوهرية تمنع اعتبار اي حالة غير منصوص عليها في المعاهدات الحربية انها خارج إطار القانون .
تم ادراج هذا المبدأ لاحقا في اتفاقيات دولية مثل البروتوكولات الإضافية لاتفاقيات جنيف ، ولا يزال يؤخذ به امام محكمة العدل الدولية.
نتيجة لدعم روسيا لحركات التحرير الوطني الكثيرة التي انتشرت في أفريقيا استخدمت موسكو منصة الأمم المتحدة لدعم استقلال الدول الأفريقية وإقامة علاقات ثنائية معها مثل السودان ومصر وليبيا والمغرب وتونس وغانا واثيوبيا وأفريقيا الوسطي ، كان ذلك مطلع ستينيات القرن الماضي، و المتابع للعلاقات الروسية الأفريقية يجدها تتطور وتتوسع بشكل كبير ، اذ تبني الاتحاد السوفيتي -وقتها – مبادرة التحرير في 14ديسمبر 1960م ، بموجب هذة المبادرة اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة، هذا القرار شكل صك دولي ساعد حركات التحرير الوطني والمقاومة ضد المستعمر في أفريقيا لنيل الاستقلال.
ذاد الأمر توطيدا حينما أصبح بين الاتحاد السوفيتي والدول الأفريقية المستقلة علاقات وتمثيل دبلوماسي ثم توقيع اتفاقيات مشتركة في مجالات التجارة والنقل الجوي والبحري ، واذداد عدد الدول الأفريقية التي تقيم علاقات تجارية واقتصادية مع الاتحاد السوفيتي ٤ دول في العام 1960م الي 37 دولة في العام 1980م الي 50 دولة افريقية في التسعينات.
لكن مع تفكك الاتحاد السوفيتي مطلع التسعينيات من القرن الماضي فقدت روسيا امكاناتها الهائلة المتراكمة للتعاون مع الدول الافريقية، وانخفض حجم التبادل التجاري بين روسيا والقارة الافريقية وترتب علي ذلك عواقب جيوسياسية واقتصادية باهظة علي الجانبين الروسي والافريقي ، حيث فقدت روسيا الأسواق آلافريقية الكبيرة للسلع الروسية المصدرة ذات القيمة المضافة العالية الي جانب انها مورد للمواد الخام عالية الجودة .
رغم عودة الاهتمام بالقارة الأفريقية مرة اخري ، الا ان الخطوات كانت بطيئة الي حد ما ، الي ان جاءت العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي علي روسيا فتحولت بوصلة اولويات السياسة الخارجية الروسية تجاة أفريقيا، وظهر ذلك جليا في المرسوم الرئاسي الروسي الصادر في 7مايو2018م بشأن الأهداف الوطنية والاستراتيجية لتنمية روسيا حتي عام 2024 م ، حيث أعلنت الرئاسة الروسية عزمها علي توطيد دعائم سياستها الخارجية خاصة تجاة أفريقيا والتي تمثل لها كتلة تصويتية كبيرة في الأمم المتحدة لمواجهة امريكا ودول الإتحاد الأوروبي .
في ظل تصادم المصالح وتقاطع الاطماع تسعي روسيا جاهدة الي الحفاظ علي علاقاتها مع افريقيا بشكل متطور ومستمر بما يخدم مصالح الطرفين لذلك عقدت القمة الروسية الأفريقية الاولي في اوكتوبر 2019 م ، في مدينة سوتشي الروسية وشارك فيها قادة وممثلون 43 دولة أفريقية تحت شعار من اجل السلام والامن والتنمية .
ثم عقدت القمة الروسية الأفريقية الثانية في العام 2023م بمدينة سان بطرسبرغ بروسيا الاتحادية ، تحت شعار مع السلام والامن والتطور ، وتجلي في هذا الشعار اهتمام روسيا بعمق العلاقات الثقافية والتعليمية عبر توفير المنح الدراسية للطلاب الافارقة وكان ذلك محور اخر يدخل في العلاقات الروسية الأفريقية.
وتأتي القمة الروسية الأفريقية الثالثة في أكتوبر الجاري للعام 2026م بمدينة موسكو، وينعقد علي هامش القمة المنتدي الاقتصادي والانساني الروسي الافريقي ، من المتوقع ان تعتمد القمة التي تعقد كل ثلاث سنوات خطة عمل الفترة من 2027_ 2029م في مجالات الزراعة والطاقة والتقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي وأنظمة الدفع ، بالإضافة الي تعزيز الحوار السياسي والتنسيق الأمني وتعزيز التجارة والاقتصاد، لكن اهم حدث هو الكشف عن نظام دفاع جوي متعدد الطبقات يجمع بين الكشف الراداري والتشويش الإلكتروني تم تصميمه لحماية المدنيين والعسكريين وحماية المرافق المدنية الحيوية .
علي الصعيد الوطني يشارك السودان في القمة الروسية الأفريقية بوفد رفيع المستوي برئاسة الفريق اول عبدالفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي ، وبين السودان وروسيا الكثير من اواصر الصداقة والتعاون الدولي ، مما يجعل ملف إعادة اعمار السودان بعد الحرب من اقوي الملفات ، الي جانب تعزيز التنسيق العسكري والامني ، والتنسيق الاقتصادي بين البلدين في قطاع الثروة المعدنية والحيوانية والزراعية، تنمية البني التحتية ، والاستفادة القصوي من موارد السودان وثرواته لتقوية اقتصاده .
كما تملك روسيا أيضا إمكانيات دعم الاقتصاد السوداني خاصة مجالات النفط والتعدين والطاقة الكهربائية والغاز ، وجميعها مجالات حيوية يحتاج السودان الي تنميتها عبر اتفاقيات ثنائية بين البلدين ومتابعتها الي ان تنفذ علي ارض الواقع بالفعل ، اتفاقيات دون آلية تنفيذ قوية لن تثمر وستكون مجرد نوايا طيبة فقط .
