ألسنة وأقلام* *غينزي.. يا صغيرة* *بابكر إسماعيل*
*ألسنة وأقلام*
*غينزي.. يا صغيرة*
*بابكر إسماعيل*
غينزي جزيرة صغيرة خضراء مساحتها ٦٤ كلم مربع وتقع على بعد ٤٨ كلم من ساحل نورماندي الفرنسي وتبعد ١١٣ كلم من الساحل الجنوبي لإنجلترا فيما يسمي بخليج سانت مالو بالقنال الإنجليزي .. وعاصمتها سانت بيتر بورت أو ميناء القديس بطرس أو بيتر.
غينزي وجيرسي تعرفان في بريطانيا باسم Channel Islands .. جيرسي أكبر الاثنين ويعيش فيها حوالي 105 ألف نسمة وغينزي يسكنها 65 ألف نسمة
بجزيرة غينزي نظام حكم ذاتي (تسمى بحكومة غينزي .. Guernsey Government ويرمز لها بGG وحاكم من أهلها وفي نفس الوقت تدين بالولاء للتاج البريطاني كما أنها ليست جزءاً من المملكة المتحدة ولا من الاتحاد الأوروبي .. ولا أحد يعرف ماذا يعني أنها تدين بالولاء للتاج البريطاني سوى أنّ هذا التوصيف يعتبر أحد محن الإنجليز وبدعهم في نشر سيادتهم على أرض الله وخلق الله.
تتبع لغينزي جزر أصغر حجماً وأطرف منها خبراً مثل سارك وهيرم وجيتو وليهو وبريكهو الخ .. وتسمي هذه الجزر Bailiwick of Gernsey …
أي الجزر التابعة لغينزي .. وبما أنّ غينزي نفسها تدين بالولاء للتاج البريطاني لذا فتابع التابع تابعٌ للمتبوع ..
من طرائف الجزر الصغيرة التي تدور في فلك غينزي (Bailwick of Guernsey) أن بإحداها بيتاً واحداً يسكنه شقيقان هما المالكان لتلك الجزيرة الصغيرة التابعة لغينزي وهما أيضاً المالكان لأحد أكبر مصارف بريطانيا وأعرقها .. ويعمل معهما في بيتهما حوالي 150 عاملاً يغادرون الجزيرة كل يوم بنهاية دوام العمل في تمام الساعة الخامسة مساء ولا يبقى بالجزيرة ليلاً إلا مالكاها الاثنان وكلاهما في التسعين من عمره .. سرت قبل عام إشاعة بموت أحدهما .. وعقب موته مباشرة ظهر شخص يشبهه ويصغره بثلاثين عاماً قيل للناس إنه ابن للمتوفَّى الذي لم يكن يعلم له صاحبةٌ ولا ولد من قبل .. ويشكك المتشككون من سكَان غينزي وضواحيها بأنّه ليس سوى المرحوم نفسه وقد تعاطى إكسير الشباب فعاد صغيراً مرحاً ليعيش ثلاثين عاماً أخرى ..
وجزيرة أخرى تابعة لغينزي وبها أيضاً بيتٌ واحدٌ ويملكها صاحب سلسلة متاجر مشهورة للأجهزة الإلكترونية .. وأبرز ما يعرف عن قوانين هاتين الجزيرتين التابعتين لغينزي أنَّ كليهما لا ضرائب على سكانها بقانونيهما.. فتامل كيف يتحايل أهل الدثور ويتهربون من الضرائب..
وبعضهم كأهل جزيرة إبستين يتخلون عن الأخلاق والقانون والقيم ..
ولكنّ الله من ورائهم محيط ..
والموت نهاية كل حيّ سواه ..
وكما قال عبد الله الكردفاني في أغنية من أغاني الزمن الغابر:
الكرب السادة جابتني ليك يا غينزي إرادة .. وريدي كلو ليك ..
بقيت فيها عدة أيام .. تنفست فيها هواءاً عليلاً وجلت في طرقاتها الضيقة صعوداً وهبوطاً ..
تجد في غينزي نكهة فرنسية في كثير من أسماء سكانها وشوارعها مثل الشارع المسمّى ب: لي جاكيدور وشارع آخر اسمه Rue Mignot وتنطق بدون الجيم وبمد حرف آي مدّاً طبيعياً بمقدار حركتين .. وأهل غينزي ولوفون يلاقونك بالتحية ولديهم استعداد فطري لتبادل الحديث معك وإن كنت غريباً .. وهذا لا يشبه البرود الإنجليزي المعهود ..
المشي في غينزي رياضة محببة خاصة عندما يكون الجوّ صحواً .. ولكن كثيراً ما تكون هنالك أمطار خفيفة ورياح والتي تكون أحياناً عاتية ومنها عاصفة أوستن التي شهدتها بالجزيرة في خلال وجودي بها ..
أرصفة الشوارع ضيقة ولا يكاد يصل عرض معظمها لمتر واحد أو لربما زاد أحياناً عن المتر وفي بعض الأرصفة لا يتجاوز القدم الواحد (٣٠ سنتمتر) .. يكون الرصيف على ميمنة الشارع ثم فجأة يختفي ليظهر بالميسرة أو ينعدم بالكلية ..
ولا توجد كثير من علامات عبور المشاة الأرضية وعموماً سائقو السيارات لطيفون ويقفون إذا رأوا من يحاول عبور الطريق فينتظرونه.. لإداكهم بضيق شوارعهم وخطورة السير فيها ..
وتوجد كثير من الدراجات الهوائية المزودة ببدالات كهربائية .. وقيل إنه حتى ثمانينات القرن الماضي لم يكن يسمح للباصات والحافلات بالسير في غينزي .. إلا برفقة شرطي مرور ليفسح لها الطريق ..
نظام المواصلات العامة .. غير متوقع رغماً عن وجود تطبيق يحدد زمن الحافلات وخطوط سيرها .. وخطوط سيرها معقدة ولا يمكن التنبؤ بها ولا يعلم أسرارها سوى سائقي حافلاتها وكنت في بعض الأحايين أنتظرها لقرابة نصف الساعة بلا أمل يُرتجى ..
شواطيء غينزي جميلة بعضها منحدر وآخر منبسطة وبعضها صخري وأخرى رملية أو رمادية … وتنتشر الزوارق في الجزيرة ويبدو أن اقتناء الزوارق والإبحار بها من متع أهل تلك الجزيرة يصيدون بها الأسماك والقشريات البحرية (الكراب).
تحدثت الأخبار عن هبوب العاصفة أوستن على الجزيرة يوم الجمعة القادم وانشغل الناس بها لأنّ سرعتها في هذه المرة تفوق الثمانين ميلاً في الساعة وتتعطل بسببها الحركة في الجزيرة فتتوقف حافلات النقل العام والطائرات والسفن والعبّارات البحرية مع بريطانيا .. وعُدّلت ساعات العمل اليومية بحيث تُفتح مقرّات الحكومة ومكاتبها بعد الثانية عشر منتصف النهار حيث أن حدة العاصفة تضعف بالساعة الحادية عشرة صباحاً ولا تعمل إلا خدمات الطوارئ.
وكان لزاماً علي الخروج في ذلك اليوم مشياً لتوقف النقل العامّ .. وتطوعت سكرتيرتي بتخويفي من العاصفة عندما سألتها ما هي الأخطار المتوقعة عند هبوب العاصفة فحذرتني من السير أو قيادة السيارات خاصة أنّ الأشجار ما زالت مخضرة بأوراقها وغصونها في مثل هذا الوقت من العام لذا فيسهل سقوطها لثقلها وكذا تطيح العاصفة بأغصان الأشجار الضخمة فتهوي على أم رؤوس المشاة وتحطم زجاج السيارات وقد تخرّ سقوف المنازل ساجدة ..
ثم أردفت بابتسامة عريضة إن خرّت سقوف كثيرة هذا العام فستنعم هي بإجازة ترويحية طويلة خارج الجزيرة لأن زوجها وولدها يعملون في بناء السقوف وصيانتها ..
خرجت في صباح الجمعة بقلب واجف وبدأت السير والريح تصطك بالأشجار وتصدر أصواتاً مرعبة .. لأول مرة أسمع نوح الرياح الذي حدثنا عنه الشاعر إسماعيل حسن في أغنيته “طير الرهو” وغناها الفنان حمد الريّح:
والريح تنوح فوق الجروف
وا خوفي من صوت الرياح
وكتين تنوح وتسوِّي “هو”
وكانت “هوّاً” متواصلة عالية تصك الآذان وتوجف لها القلوب كأنه صوت الصاخة ..
ورأيت بعض الأغصان ذات القطر الذي لا يقلّ عن خمس سنتمترات ساقطة على الطريق قريباً من سكني فتذكرت كلام سكرتيرتي الماكرة فعدت أدراجي ..
ثم بعد ساعة جمّعت شجاعتي ونويت الخروج فأهل الجزيرة يسموننا keyworkers أي عاملون مفتاحيون في خدمات الطوارئ فإن لم تكن هذه طواريء فمتى تكون .. وقرأت أورادي فلن يصيبني إلا ماكُتب لي .. ولم يكن ممكناً استخدام الشمسية الواقية من المطر في مثل هذه الظروف لأن الريح قوية وتجعل باطن الشمسية ظاهرها ويصير منظرها كبتلات زهرة اللوتس العملاقة .. كما أنني أسير والريح يجذبني من وسطي نحو الخلف وكدت من شدة الريح أن أتشبث بأعمدة الكهرباء المعدنية ..
وعيناي تتحركان في كل الاتجاهات تحسباً لقذيفة غصنية تنطلق تجاهي ..
وأخيراً وصلت إلى وجهتي مستشفى الأميرة إليزابيث بغينزي ويا لفرحتي ..
وقابلتني أول وصولي نذيرة الشؤم سكرتيرتي قائلة: you’ve made it ?!
Well done!!
وآهٍ منك يا غينزي.. يا صغيرة ..!
https://www.facebook.com/share/p/19oiepNKXi/?mibextid=wwXIfr
