منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

*مَعْذِرَةً ِإلَى رَبِّكُم* *روسيا تتفوق على نفسها في استمالة الشعوب الأفريقية* *دبلوماسية الاحترام والتكريم.. من حفاوة الاستقبال إلى الشراكة الاستراتيجية* *✍🏼 فريق شرطة حقوقي – محمود* قسم الس

0

مَعْذِرَةً ِإلَى رَبِّكُم
*روسيا تتفوق على نفسها في استمالة الشعوب الأفريقي
دبلوماسية الاحترام والتكريم.. من حفاوة الاستقبال إلى الشراكة الاستراتيجية
✍🏼 فريق شرطة حقوقي – محمود قسم السيد

لم تعد الدبلوماسية في عالم اليوم تُقاس فقط بالاتفاقيات السياسية والمصالح الاقتصادية والصفقات العسكرية، بل أصبحت القدرة على كسب احترام الشعوب، واستمالة وجدانها، وإشعار قياداتها بكرامة دولها وسيادتها، جزءاً أساسياً من أدوات التأثير وبناء العلاقات الدولية.
وفي هذا السياق، تقدم روسيا نموذجاً لافتاً في توظيف الدبلوماسية الناعمة تجاه الدول الأفريقية، من خلال حفاوة استقبال قادتها، والاهتمام برموزها الوطنية والثقافية، وإظهار الاحترام لمكانة دولها وشعوبها.
ويبدو أن موسكو استوعبت دروساً مهمة من تجارب النظام الدولي، خاصة ما ارتبط ببعض الممارسات الغربية التي كثيراً ما عكست مظاهر التعالي والوصاية في التعامل مع الدول الأفريقية، الأمر الذي جعل مسألة الندية والاحترام المتبادل مطلباً أساسياً لدى الشعوب والقيادات الأفريقية.
استقبال البرهان.. رسائل تتجاوز البروتوكول
ولعل استقبال فخامة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي، في موسكو، يقدم نموذجاً واضحاً لهذه الدبلوماسية الرمزية.
فقد كان مشهد الأطفال الروس وهم يستقبلون الضيف السوداني بالأناشيد والأغاني السودانية، ويرددون كلمات تعبر عن محبتهم للسودان، مشهداً إنسانياً وثقافياً لافتاً. ولم تكن دلالته في جمال الأصوات وحده، بل في الرسالة التي يحملها؛ إذ تجاوز الاستقبال حدود المراسم الرسمية إلى مخاطبة وجدان الشعب السوداني، والاحتفاء بثقافته وهويته الوطنية.
إن اختيار الأناشيد السودانية تحديداً يعكس اهتماماً بالرمزية الوطنية السودانية، ويبعث برسالة تقدير للشعب السوداني، في وقت يمر فيه السودان بظروف استثنائية وتحديات سياسية وأمنية واقتصادية بالغة التعقيد.
وهذا النوع من الاستقبال لا يخاطب القيادة وحدها، بل يترك أثراً في وجدان الشعوب، ويعزز جسور التواصل الإنساني والثقافي بينها.
التكريم الأكاديمي.. رسالة تقدير تتجاوز المجاملة السياسية
وامتدت مظاهر الاحتفاء إلى مستوى آخر، عندما منحت الجامعة الحكومية الروسية للعلوم الإنسانية في موسكو الرئيس البرهان درجة الدكتوراه الفخرية ، تقديراً لإسهامه في تطوير العلاقات السودانية الروسية.
ويحمل هذا التكريم دلالة رمزية وأكاديمية تعكس اهتمام المؤسسات الروسية بتعزيز جسور التواصل مع السودان، وتؤكد أن العلاقات بين الدول لا تُبنى بالسياسة وحدها، وإنما تمتد إلى مجالات التعليم والثقافة والبحث العلمي.
كما أن تكريم رئيس الدولة في مؤسسة أكاديمية روسية عريقة، في ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها السودان، يمثل رسالة اهتمام وتقدير للعلاقات الثنائية، ويمنح التقارب بين البلدين بعداً يتجاوز اللقاءات الدبلوماسية التقليدية.
السودان ومقتضيات المرحلة القادمة
إن ما يشهده السودان من تحديات يفرض على قيادته أن تنظر إلى هذه العلاقات من منظور استراتيجي يتجاوز حفاوة الاستقبال والتكريم إلى المصالح الوطنية طويلة الأمد.
فالسودان يمتلك موقعاً جيوسياسياً بالغ الأهمية، وموارد طبيعية وزراعية ومعدنية ضخمة، فضلاً عن إمكانات بشرية تؤهله ليكون شريكاً مؤثراً في محيطه الإقليمي والدولي.

ومن هنا، فإن المطلوب هو ترجمة هذا التقارب إلى شراكات عملية في مجالات الصناعة والزراعة والطاقة والتعدين والتكنولوجيا والتعليم، إلى جانب التعاون العسكري وتطوير الصناعات الدفاعية ونقل الخبرات والتقنيات
الحديثة، بما يعزز قدرات الدولة السودانية ويحفظ أمنها القومي وسيادتها.
آمال معلقة على مخرجات القمة
*ولعل الأهم من كل مظاهر الحفاوة والتكريم أن تخرج القمة الروسية الأفريقية الثالثة بنتائج عملية تنعكس إيجاباً على السودان، خاصة في المجالات العسكرية والاقتصادية والتقنية.
فالسودان يحتاج إلى تعاون عسكري يسهم في تحديث قدرات قواته المسلحة وتطوير الصناعات الدفاعية، وشراكات اقتصادية تدعم إعادة الإعمار واستثمار الموارد الوطنية، فضلاً عن نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعات وتطوير مجالات الطاقة والزراعة والتعدين.
كما أن وجود وزير المالية ووزير الخارجية والمدير العام لمنظومة الصناعات الدفاعية ضمن الوفد السوداني يعكس أهمية الملفات الاقتصادية والدبلوماسية والدفاعية في هذه الزيارة، ويعزز الآمال في أن تترجم اللقاءات إلى تفاهمات واتفاقيات وبرامج تعاون قابلة للتنفيذ.
إن قيمة القمم الدولية لا تُقاس بما يصاحبها من مظاهر احتفاء وخطابات دبلوماسية فحسب، وإنما بما يتحول منها إلى مشروعات ملموسة، وفرص استثمار، ونقل للمعرفة والتكنولوجيا، ومكاسب حقيقية يشعر المواطن السوداني بآثارها في حياته ومستقبل بلاده.
الدبلوماسية الحقيقية.. احترام متبادل ومصالح مشتركة
إن التجربة الروسية في مخاطبة الوجدان الأفريقي تستحق القراءة والتحليل، ليس باعتبارها مجرد مظاهر احتفالية، وإنما باعتبارها جزءاً من التنافس الدولي على بناء الشراكات والنفوذ في القارة الأفريقية، وهذا ردة فعل روسية ذكية لخصومها.
وفي المقابل، ينبغي للدول الأفريقية أن تحسن توظيف هذا التنافس لمصلحة شعوبها، وألا تستبدل التبعية لطرف بالتبعية لطرف آخر؛ فالعلاقات الدولية الناجحة هي التي تقوم على توازن المصالح، واحترام السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
إن السودان، وهو يواجه ظروفاً بالغة الصعوبة، يحتاج إلى أصدقاء وشركاء يحترمون سيادته وكرامة شعبه، لكنه يحتاج أيضاً إلى امتلاك عناصر القوة الذاتية التي تجعل احترام الآخرين له قائماً على مكانته وقدراته، لا على حاجته إلى دعمهم.
فكرامة الدول لا تُصان بحفاوة الاستقبال وحدها، وإنما تُصان بقوة مؤسساتها، ومتانة اقتصادها، ووحدة شعبها، وقدرتها على حماية قرارها الوطني، نحن امه عاطفية التفكير الاستراتيجي مهم جدا لنيل المصالح.
َوالله التوفيق

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.